مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٢٩ - النوع الثاني (في شرائط وجوبه)
و الجملة استيناف لبيان ما هو السّبب لاستيذانهم من غير عذر [١] و هو رضاهم بالدناءة و الانتظام في جملة الخوالف إيثارا للدعة «وَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ» حتى غفلوا عن وخامة العاقبة «فَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ» مغبّة ذلك.
الثانية:
[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] [٢].
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ أي يقربون إليكم من الكفّار أمر تعالى بقتال الأقرب منهم فالأقرب، فلا يجوز التخطّي عنه إلى الأبعد بمقتضى الآية و لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى الضّرر.
قيل: كان هذا قبل الأمر بقتال المشركين كافّة ثمّ نسخ، و فيه ضعف لقيام الحكم في الآية، و الغرض منها الترتيب في القتال، فتكون هذه الآية أخصّ من الآية المشتملة على الأمر بالقتال، فلا تنافي، و لأنّ قتال الأبعد مع وجود الأقرب يؤدّى إلى الضّرر و ربما يمنعهم ذلك عن المضيّ في جهتهم، و لانّ الاشتغال عنه بالبعيد يوجب تمكّنه من انتهاز الفرصة بالمسلمين لاشتغالهم عنه، و الحكم مخصوص بما إذا لم يكن الأبعد أشدّ خطرا، و أعظم ضررا من الأقرب و إلّا كان الابتداء بقتاله أولى، و من ثمّ قاتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الحارث بن أبي ضرار [٣] لمّا بلغه أنّه يجمع له، و كان بينه و بينه عدوّ أقرب منه، و فتح مكّة قبل حرب هوازن، و كذا لو كان الأقرب مهادنا.
قال الطّبرسيّ في مجمع البيان [٤]: و في هذا دلالة على أنّه يجب على أهل كلّ
[١] في هامش قض: كأنه قيل: ما لهم استأذنوا و هم قادرون على الاستعداد؟ فقيل:
رضوا بالدناءة و الانتظام، منه (رحمه اللّه).
[٢] براءة: ١٢٤.
[٣] انظر التفصيل في السير شرح غزوة لبني المصطلق و كان الحارث بن أبى ضرار سيدهم و رئيسهم.
[٤] المجمع ج ٣ ص ٨٤.