مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٨٣ - الثالث (في أشياء من أحكام الحج و توابعه)
و قيل: معناه يبتغون من اللّه أرباحا في تجاراتهم و رضوانا منه بزعمهم، فانّ المشركين كانوا يظنّون في أنفسهم أنّهم على سداد من دينهم، و أنّ الحجّ يقرّبهم إلى اللّه، فوصفهم اللّه بظنّهم فيكون المراد النّهى عن استحلالهم و منعهم عن حجّ البيت و إن كانوا مشركين.
و يؤيّده ما روي أنّ الآية [١] نزلت في الخطم بن هند البكريّ أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وحده و خلف خيله خارج المدينة فقال إلى ما تدعوا؟ فقال إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و إقام الصّلوة، و إيتاء الزكاة، فقال: حسن و لكن لي من أشاوره. و خرج فمرّ بسرح من المدينة فساقه و انطلق به، ثمّ أقبل من العام القابل حاجّا مع حجّاج اليمامة قد قلّد هديا و كان المسلمون و المشركون يحجّون جميعا، فأراد المسلمون التعرّض لهم بسبب كونه فيهم، فنهى اللّه المسلمون أن يمنعوا أحدا عن حجّ البيت، بقوله تعالى لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ الآية.
و على هذا فالآية منسوخة بما دلّ على المنع من دخول المشرك المسجد الحرام و بقوله وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [٢] قيل إنّه لم ينسخ من المائدة سواها.
«وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ» من إحرامكم «فَاصْطٰادُوا» إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم و لا يلزم من حمل الأمر هنا على الإباحة كون الأمر الواقع بعد الحظر للإباحة مطلقا فإنّ الأصحّ أنّه للوجوب مطلقا، و إن كان بعد النّهي، لكنّه هنا للإباحة لانعقاد الإجماع على عدم الوجوب، و قد مرّ غير مرّة.
«وَ لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ» و لا يحملنكم أولا يكسبنّكم، و جرم بمعنى كسب فيتعدّى إلى المفعول الواحد مرّة و إلى الاثنين اخرى يقال: جرم ذنبا كسبه و جرمته ذنبا كسبته إيّاه، و قد تعدّى هنا إلى اثنين أحدهما الضّمير و الآخر «أَنْ تَعْتَدُوا».
«شَنَآنُ قَوْمٍ» شدّة بغضهم و عداوتهم، و هو مصدر أضيف إلى الفاعل أو المفعول «أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» بمعنى العلّة أي لأجل أنّهم صدّوكم عنه عام
[١] المجمع ج ٢ ص ١٥٣، و نقل عنه في نور الثقلين ج ١ ص ٤٨٤، و انظر أيضا كنز العرفان ج ١ ص ٣٣١.
[٢] النساء: ٩٢.