ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٤٥ - لوائح الجنان و روائح الجنان
ففي النّشأة الأولى تراءت لآدم # بمظهر حوّا، قبل حكم الأمومة
فهام بها، كيما يكون به أبا، # و يظهر بالزّوجين حكم البنوّة
و كان ابتدا حبّ المظاهر بعضها # لبعض، و لا ضدّ يصدّ ببغضة
و ما برحت تبدو و تخفى، لعلّة، # على حسب الأوقات، في كلّ حقبة
و تظهر للعشّاق في كلّ مظهر، # من اللّبس في أشكال حسن بديعة
ففي مرّة لبني، و أخرى بثينة، # و آونة تدعى بعزّة عزّت [١]
و لسن سواها، لا و لا كنّ غيرها # و ما إن لها، في حسنها، من شريكة [٢]
كذاك بحكم الاتّحاد بحسنها، # كما لي بدت، في غيرها، و تزيّت [٣]
بدوت لها في كلّ صب متيّم، # بأيّ بديع حسنه و بأيّة [٤]
و ليسوا، بغيري في الهوى، لتقدّم # عليّ لسبق في اللّيالي القديمة
و ما القوم غيري في هواها، و إنّما # ظهرت لهم، للّبس، في كل هيئة
ففي مرة قيسا، و أخرى كثيّرا، # و آونة أبدو جميل بثينة
تجلّيت فيهم ظاهرا، و احتجبت با # طنا بهم، فأعجب لكشف بسترة [٥]
و هنّ و هم، لا وهن وهم مظاهر # لنا، بتجلّينا بحبّ و نضرة [٦]
فكلّ فتى حب أنا هو، و هي حبب # كلّ فتى، و الكلّ أسماء لبسة [٧]
[١] لبني: حبيبة قيس و قد مرّ ذكرها. بثينة: حبيبة جميل بن معمر. عزة حبيبة كثير.
عزت: كرمت و غلت.
[٢] لسن سواها. أي كلهنّ حواء أو الأنثى. ان-حرف نفي بمعنى ليس.
[٣] الاتحاد: الوصال الروحي. تزيت: ارتدت و تزينت.
[٤] اللهاف: من اللهفة و هي الحرقة و الشوق. الصب: العاشق المدنف. و المتيم:
الشديد العشق.
[٥] تجليت: برزت و ظهرت واضحا. السترة: الاحجاب.
[٦] هن و هم: الحبيبات و المحبون. الوهن: الضعف. النضرة: الزينة و البهجة.
[٧] هذا البيت و الذي يليه وصف لحالة ابن الفارض و اتصاله بعالم الروح حيث تجلت له الحقيقة الإلهية فوصل إلى اعلى درجات العشق الإلهي و استعمل المجاز بالحب المعروف ليقول انه سلطان العاشقين.