ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ١٦٣ - هو الحب
تمسّك بأذيال الهوى، و اخلع الحيا # و خلّ سبيل الناسكين، و إن جلّوا [١]
و قل لقتيل الحبّ: وفّيت حقّه، # و للمدعي: هيهات ما الكحل الكحل [٢]
تعرّض قوم للغرام، و أعرضوا، # بجانبهم، عن صحّتي فيه، و اعتلوا [٣]
رضوا بالأماني، و ابتلوا بحظوظهم، # و خاضوا بحار الحبّ، دعوى فما ابتلّوا [٤]
فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم # و ما ظعنوا في السّير عنه، و قد كلّوا [٥]
و عن مذهبي، لمّا استحبّوا العمى على # الهدى حسدا من عند أنفسهم ضلّوا [٦]
أحبّة قلبي، و المحبّة شافعي # لديكم، إذا شئتم بها اتّصل الحبل [٧]
[١] تمسك بأذيال الهوى مجاز معناه لازم الحب و لا تفارقه. الحيا: الحياء مخففة لضرورة الشعر. خلّ: اترك. السبيل: الطريق. الناسكون: العابدون.
[٢] معنى البيت قل لمن يدعي بلسانه و لا يعتقد بنفسه لقد بعد عنك ما تريده و تطلبه فإن التكحل المصنوع ليس كالكحل المطبوع.
م. ص. قتيل الحب هو قتيل المحبة الإلهية و هو شهيد عند ربه كما نصت الآية. وَ لاََ تَحْسَبَنَّ ... يُرْزَقُونَ
[٣] تعرض: تصدى. اعرضوا: مالوا بنظرهم عنه.
م. ص. الغرام: العشق الإلهي و الصحة كناية عن موافقة الحق.
[٤] الأماني: مفردها الامنية و هي مطلب النفس. الدعوى: الأمر الكاذب.
م. ص. الدعوى كناية عن ادعاء الكذب في امر اللََّه و في خوض بحار علمه و قوله ابتلّوا من المبلل أي رغم خوضهم لبحار المحبة لم تبتل أجسادهم و لا أرواحهم بتلك المياه لأنهم لم يعرفوا المحبة الحقة.
[٥] السري: سير الليل. لم يبرحوا: لم يغادروا. ظعنوا: رحلوا. كلّوا: تعبوا.
م. ص. السري: سير العارفين لأن الليل وقت العبادة. و قوله لم يبرحوا معناه انه لم يحققوا شيئا ممّا يطلبون لان نفوسهم أمّارة بالسوء و قوله كلوا دليل على ان أعمالهم و رياضاتهم قد حبطت.
[٦] ضلوا: تاهوا.
م. ص. مذهبي كناية عن اعماله و هي الاشتغال بالتقوى في القلب و الانهماك في أعمال الباطن لا أعمال الظاهر. و العمل كناية عن غفلة النفس و عدم التيقظ لأمر اللََّه تعالى و في البيت إشارة للآية الكريمة: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىََ عَلَى اَلْهُدىََ .
[٧] م. ص. الخطاب للأحبة و قد أضافهم إلى القلب و المحبة عائدة للأسماء و الصفات الربانية الظاهرة بآثارها في عوالم الأكوان. و قوله اتصل الحبل إشارة إلى قوله تعالى:
وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا .