ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ١٧٢ - لم يخطر سواكم على بالي
بقيت به، لمّا فنيت بحبّه، # بثروة إيثاري، و كثرة إقلالي [١]
رعى اللََّه مغنى لم أزل في ربوعه، # معنّى، و قل إن شئت: «يا ناعم البال» ! [٢]
و حيّا محيّا عاذل لي لم يزل # يكرّر من ذكرى أحاديث ذي الخال [٣]
روى سنّة عندي، فأروى من الصّدى، # و أهدى الهدى، فأعجب و قد رام إضلالي [٤]
فأجبت لوم اللّؤم فيه، لو انّني # منحت المنى، كانت علامة عذّالي
جهلت بأن قلت: اقترح يا معذّبي عليّ، # فأجلى لي و قال: «اسل سلسالي» [٥]
و هيهات أن أسلو، و في كلّ شعرة، # لحتفي، غرام مقبل ايّ إقبال [٦]
و قال لي اللاحي، مرارة قصده # تحلّى بها، دع حبّه قلت: أحلى لي [٧]
[١] الإيثار: التكرم بالشيء رغم الحاجة إليه. الإقلال: الحاجة.
م. ص. الفناء كناية عن انقطاع العبد عن المعبود و انشغاله بالشؤون الذاتية. و الإيثار وصل إلى مقام البقاء باللّه بعد الفناء فيه و كثرة الإقلال كناية عن الحاجة إلى اللََّه تعالى كما في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ .
[٢] المغنى: المنزل الذي يغني صاحبه عن منازل غيره. الربوع: الجوار. معنى:
مريض.
م. ص. المغنى: كناية عن العالم الإنساني. و الربوع الحضرات الإلهية التي تظهر فيها التجليات الإلهية.
[٣] المحيا: الوجه. العاذل: اللائم. ذي الخال: صاحب الشامة على الخد.
م. ص. الخال كناية عن النقطة السوداء في الوجه الإلهي و هي الكون لأن الكون ظلمة و إنما اناره ظهور الحق.
[٤] السنة: الطريق. أروى: أطفأ الظلمأ. الصدى: العطش. رام: أراد أو طلب.
م. ص. السنة كناية عن سلوك درب الحق على سنة محمد (صلّى اللََّه عليه و سلّم) .
[٥] أجلى: أظهر. اسل: انس. السلسال: الماء العذب و هو الريق.
م. ص. الخطاب إلى المحبوب الحقيقي و هو اللََّه تعالى. و قوله اجلى كناية عن ظهور نور الحق. و السلسال كناية عمّا يظهر من الأكوان.
[٦] اسلو: أنسى. الحتف: الموت.
[٧] اللاحي: اللائم أو المبغض.
م. ص. كيف اترك هذه المحبة و لو كانت مرة فهي عندي اكثر حلاوة من كل شيء حلو و اشتهى من كل لذيذ فكيف اترك ما أجده حلوا و أصير من محبته خلوا؟.