بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٤ - المقدمة الثانية
أن ينشئ عقدا حتى يأتي به، و إنما العرف يفهم من هذا البيان، أن العقد مقدمة وجوبية لا مقدمة وجودية، و أن المولى لا يلزم من ليس عنده عقد أن يحدث العقد، و أنما المولى يريد ممّن أحدث عقدا أن يفي بعقده.
إذن فهذا الاستظهار العرفي بنفسه يكون قرينة على أن العقد قد أخذ مفروض الوجود و قيدا للوجوب لا للواجب، إذن فيرجع قوله «أوفوا بالعقود» بقرينة هذا الاستظهار العرفي، إلى قضية شرطية، و هي أنه إذا وجد لديك عقد فيجب الوفاء به، هذا هو الملاك الإثباتي.
و أمّا الملاك الثبوتي، و هو فيما إذا كان متعلق المتعلق أمرا غير اختياري للمكلّف، حينئذ لا بدّ للمولى من أن يأخذه قيدا في الوجوب و مفروض الوجود في مقام جعل الوجوب، إذ لو لم يأخذه قيدا في الوجوب، و جعل الوجوب على الإطلاق، سواء وجد ذلك القيد الغير اختياري أو لا، للزم التكليف بغير المقدور، من قبيل الزوال، لو قال صلّ عند الزوال، فالزوال هنا يجب أن يؤخذ قيدا في الوجوب و مفروض الوجود في مقام جعل الحكم، و ذلك لأن الوجوب لو لم يقيّد بالزوال لكان مطلقا و كان معنى هذا صلّ عند الزوال سواء وجد زوال أو لم يوجد زوال، و هذا معناه، التكليف بغير المقدور في حال عدم وجود زوال، و عليه فلا بدّ أن يكون الزوال قيدا في الوجوب لئلّا يلزم فعليّة الوجوب في حال فقدان الزوال، و به يلزم التكليف بغير المقدور، إذن فأخذ القيد مفروض الوجود و قيدا للحكم يتوقف على أحد هذين الملاكين، إمّا الاستظهار العرفي، و إمّا لزوم محذور عقلي كالتكليف بغير المقدور إذا لم يأخذه قيدا.
و لكن إذا لم يلزم شيء من هذين المحذورين فحينئذ لا نلتزم بأخذ متعلق المتعلّق قيدا في الحكم و مفروض الوجود في مقام جعل الأمر، و لهذا في خطاب لا تشرب الخمر، الخمر هنا متعلق المتعلق، لكن لا يلزم أخذه مفروض الوجود، إذ ليس معناه، أنه إذا وجد خمر فلا تشربه، و إنما معناه، حرمة فعلية مطلقة لشرب الخمر سواء وجد خمر أو لم يوجد، و هذا إنما هو