بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٧ - فرق آخر بين الواجبين التعبدى و التوصلى
تعلق به الأمر الأول، لأن المفروض أن الأمر الأول قد تعلّق بالمطلق، و المطلق كما ينطبق على الواجد ينطبق على الفاقد، و حينئذ نسأل، أنه هل يسقط الأمر الأول أو لا يسقط؟.
فإن قيل أنه يسقط من ناحية الإتيان بمتعلقه، إذن لم يبق موضوع لامتثال الأمر الثاني، لأن الأمر الثاني يأمرنا بقصد امتثال الأمر الأول، و قد سقط، إذن فلا محالة يسقط الأمر الثاني أيضا، لانتفاء موضوعة، و هذا يؤدي إلى أنّ من أتى بالصلاة لا بقصد الامتثال يسقط عنه كلا الأمرين و هذا خلف.
و إن قيل بأن الأمر الأول لا يسقط، بل يبقى حتى بعد الإتيان بمتعلقه، محركا نحو الإتيان بمتعلقه، فهذا أمر غير معقول، لأن الأمر إنما يحرك بمقدار ما تعلّق به، و ما تعلّق به بحسب الغرض إنما هو المطلق، و الجامع وجد في الخارج، فلو حرّك نحوه مرة أخرى للزم التحريك نحو الحاصل، و لا يعقل التحريك نحو الجامع بعد حصوله، إذن فهذا الشق أيضا غير معقول، و عليه فأصل هذه الفرضية أيضا غير معقولة.
و في مقام الجواب يقال، بأننا نختار الشق الأول، و هو أن الأمر الأول المتعلق بالمطلق يسقط بعد الإتيان بذات الفعل، و لكن رغم هذا فإن سقوط الأمر الأول يكون من باب تعذّر بقائه لا من باب استيفاء غرضه، و ذلك لأن الغرض شيء وحداني قائم بمجموع الأمرين و لا يستوفى إلّا بالإتيان بالصلاة مع قصد القربة، إذن فسقوط الأمر الأول يكون سقوطا اضطراريا و ليس سقوطا استيفائيا، و حينئذ إذا كان الأمر كذلك و كان الغرض محفوظا، فنفس ذاك الغرض المحفوظ يستدعي خطابا آخر و إنشاء أمر آخر على طبقه من جديد، فإن ابتلي الأمر الثاني بنفس ما ابتلي به الأمر الأول و سقط سقوطا اضطراريا فلا بدّ أن ينشئ أمرا آخر أيضا، و هكذا حتى يحصل بحسب الخارج السقوط باستيفاء الغرض، و هو الإتيان بالصلاة مع قصد امتثال الأمر، و بهذا يتبين أن الأمر الثاني لم يرتفع موضوعه، لأن موضوعه امتثال الأمر المتعلق بذات الصلاة، و الأمر المتعلق بذات الصلاة إن سقط شخص من أشخاصه سقوطا