بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٥ - فرق آخر بين الواجبين التعبدى و التوصلى
يعقل التأكيد بين الأمرين الضمنيين، كذلك لا يعقل التأكيد بين هذين الأمرين و إن كانا مجعولين بجعلين استقلاليين، لأن هذه الاستقلالية من باب اضطرار المولى و عجزه عن دمجهما في خطاب واحد.
و إن كان الأمر الأول غير كاف للمحركية، إذن فالأمر الثاني مثله أيضا، لأن الأمر الثاني ليس محركيته و ملاكاته إلّا عين جهات الأمر الأول التي تقتضي التحريك فيه، إذن فالأمر الثاني مبرهن على استحالته، بدعوى أنه غير قابل للمحركية، فلا يعقل جعله بداعي كونه محركا و باعثا نحو قصد الامتثال.
نعم لو كان الأمر الثاني ناشئا من ملاك آخر غير ملاك الأمر الأول، لأمكن جعله محركا و لو بنحو التأكيد و التشديد، باعتبار أن الإنسان الشقي قد يفوّت ملاكا واحدا للمولى، لكن إذا اجتمعت ملاكات متعددة في مورد واحد حينئذ هذا الشقي، لا يكون مستعدا إلى تفويتها جميعا، و بهذا يتضح أنه لا يمكن اندفاع المحذور.
و تمام فذلكة الموقف حينئذ هي، أن ما بينّاه من البرهان في الواقع لا يفرّق فيه، بين أن يكون الأمر الضمني ضمنيا صورة و حقيقة، أو يكون الأمر الضمني ضمنيا حقيقة، و بين أن يكون استقلاليا صورة، فهو على كل حال يجري فيه هذا البرهان.
اللّهم إلّا أن نعطي للأمر الثاني، معنى جديدا غير المعنى الذي قصده هؤلاء المحيلون، بحيث نخرجه عن كونه أمرا، و نجعله شيئا آخر، و هذا ما سوف نتعرض له، و كلّ ما تقدّم كان الكلام يدور فيه حول شكل واحد من أشكال تعدّد الأمر للتخلص من عويصة الاستحالة.
إلّا أن المحققين ذكروا شكلين آخرين لتعدد الأمر، و بهما أو بأحدهما يمكن التخلص من عويصة الاستحالة.
الشكل الأول، هو أن يفرض وجود أمرين، الأمر الأول متعلق بذات الصلاة و مطلق، بمعنى أن متعلقه هو الطبيعة المطلقة الجامعة بين الصلاة