الصحاح تاج اللغة و صحاح العربية - الجوهري، أبو نصر - الصفحة ٣٠ - لا قياسَ بَين «صِحَاح» الجَوهَريْ وَ «تقفيَة» البَندنيجي
قليلة، و الزاد غث لا غناء فيه؟
ثم إنك لتجد في هذا الأدب الحر الجديد ميلًا إلى التزام قواف و رجوعاً إليها ما أمكنهم السبيل، و قد تجد القطعة التي «كتبها» صاحبها ذات وزن و قافية واحدة، و لكنه كتبها بصورة أبعدتها عن أن تكون صدورا و أعجازاً لقصيدة مألوفة. ثم إن صاحبها ليعمد إلى خرم في الوزن، و مجافاة للمألوف فيه، و كأن ذاك متعمد مقصود ليشهد على نفسه أنه جديد مجدد، و أن أدبه «حر» طليق، و أن «فناً» و حيلة في رسم أشطاره ليكفي أن يكون نمطاً جديداً.
و أنا أسأل طائفة من أصحابنا أهل «الحر» الجديد الآخذين به، العائبين على القصيدة في أوزانها المعروفة و قوافيها أنها أدب ميت قاصر، أو مومياء محنطة، و ليس خيالًا «مجنحاً» جديداً فأقول:
لم يعمد هؤلاء المجددون إلى اللون القديم الذي دعوه «العمودي» حين ينظمون في «مناسبة» وطنية؟ ألم يقولوا: إن «العمودي» قاصر لا غناء فيه، و إن «العمودي» لا يمكن أن يكون وعاء للجديد من الفكر، ألم تكن «المناسبة الوطنية» موحية لفكر جديد و أدب جديد و لون جديد؟
هذه سؤالات لم أتبين لها جواباً.
أنا لا أنكر أن الكثير من الشعر الذي التزم فيه الوزن و القافية صناعة غثة و بضاعة بائرة، و أنه رصف ميت مفتقر إلى كثير من عناصر الحياة، غير أني أشعر- أيضا- أن شيئاً كثيراً من جديد القوم مما يدعى «حراً» ضرب من كلام خلا من ظلال للمعاني؛ بله الجديدة منها.
و لا بد لي من أن أعود إلى القافية فأشير إلى أن غير العرب من الأمم السامية قد حاولوا أن يصنعوا صنيعهم؛ فيكتبوا نثرهم مسجوعاً.
ثم إن اللغويين الأقدمين لما رأوا ما للقافية من مكان في نثر العرب و شعرهم، عمدوا إلى تصنيف المصنفات في الموضوع؛ فكانوا يجمعون الأسجاع في الأقوال المأثورة و الأمثال و غيرها، منوهين بهذا الضرب من فن النثر.
و قد بلغ الأمر إلى أن يصنعوا معجمات تشتمل على الألفاظ التي تنتهي بقافية واحدة؛ مثل: الصغير، و الكبير، و القدير، و الحقير، و صدور، و مصدور، و مثل: جناب، و إياب، و رباب، و عذاب؛ هكذا استوفوا جل أبنية العربية، و لم يكن غرضهم إلا جمع الأشباه و النظائر من الألفاظ التي جاءت على قافية واحدة.
و على رأس هذه المصنفات كتاب (التقفية في اللغة) لأبي بشر بن أبي اليمان البندنيجي (المتوفى سنة ٢٨٤ ه) و الكتاب من سلسلة إحياء التراث التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العراقية.
و قد حققه و بذل فيه الوسع الدكتور خليل إبراهيم العطية، و قد دبجه بتعليقات