الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٥ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
و عادت لمصر حينئذ السنة المحمدية، و أول مذهب سني درس بالأزهر المذهب الشافعي و انقرض من ذلك الحين المذهب الشيعي، و لم يبق له أثر بالأزهر سوى الجراية، تعطى لمن هو متمذهب بهذا المذهب، و هذا الجراية كانت تصرف لأصحابها لوقت قريب. هذا و تعاليم الشيعة الآن معمول بها في فارس و بمصر متحف خاص (بالبهائية) التي تعمل على حد هذه التعاليم، و يقرر الأستاذ (بيرم) في رسالة وضعها عن الأزهر و قدمها لمؤتمر المستشرقين المنعقد بمدينة (هامبورج) في أوائل سبتمبر سنة ١٩٠٢ أن العلوم الرياضية كانت تدرس بالأزهر، كالعلوم الفلكية و الطبيعية و الجغرافية، و لكنه استند في تقريره هذا إلى أنه استنتج ذلك من عناية الفاطميين بهذه العلوم و عنايتهم بالكتب و جمعها و استبعد ألا تكون هذه العلوم قد درست بالأزهر، و الأزهر كان متأثرا في حياته بكثير من العوامل السياسية التي ظهرت و قتذاك. و إن ما كان يدرس فيه في عهد الفاطميين هو التعاليم الشيعية الإسماعيلية و الدعوة إليها، و المذهب الفاطمي في الفقه .. و كان لهذه التعاليم أثر واضح في الحياة الخلقية في ذلك العصر، و قد عدد آفاتها الغزالي و آفات عقلية أوقفت التشريع الإسلامي عند حد التقليد و عدم الاجتهاد، و أصبح التشريع الإسلامي في هذا العصر هو المرحلة الأخيرة لتطوره. و لم يكن للعقول في ذلك الوقت سبيل الى الاجتهاد و القياس، و احتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق و تفرقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة و صار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على هذا النوع من التنظير و التفرقة.
و من هذا كله نعلن أن الأزهر اتخذ أول ما أنشىء مسجدا لعبادة اللّه و الدعاية للفاطميين و دولتهم، ثم عقدت في جنباته حلقات الدروس العامة، فكان الأساتذة من فقهاء الشيعة يجلسون لإلقاء دروسهم على كل من يحضرها في الفقه و اللغة و الأدب و المنطق و الطبيعيات و الرياضيات.
و أول كتاب قرىء في الأزهر على ما ذكرناه هو «الإقتصار» في فقه آل البيت لأبي حنيفة النعمان بن أبي عبد اللّه بن محمد القيرواني قاضي