الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٣ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
و هنا يكون الداعي قد تمكن من نفس المدعو فيعمل على تعمير منطقة العقل و يدعوه إلى النظر في كلام أفلاطون و أرسطو و فيثاغورس، و ينهاه عن قبول الأخبار و الاحتجاج بالسمعيات.
ثم ينتقل إلى اثبات معجزة النبي الصادق و الوحي على طريقة تعاليمهم الشيعية. و قد ظلت الدعوة قائمة الى هذه المبادىء، و كان من زعمائها في القرن الخامس الهجري «الحسن بن محمد الصباح».
و هذه التعاليم تظهر بجلاء في رسائل إخوان الصفا، و توهم أن الروح التي أملتها روح عالية تتسع آفاقها لاستيعاب حيز كبير من حقائق هذا الوجود، و أن العقلية التي أخرجتها عقلية حرة جريئة. و الواقع ربما خالف هذا فإن الفاطميين و إن كان يشم من كلامهم الدعوة إلى وحدة الوجود، و النظر إلى هذا العالم بعين الحكمة و الاعتبار و التفلسف، إلا أنهم أفسدوا هذه النظرة السامية بحجرهم على العقول في الاعتقاد بأئمتهم، و أفسدوا كل شيء حينما حاولوا أن يستغلوا ما في هذه التعاليم من طرافة و طلاوة لمصلحتهم الخاصة، بمحاولة تطبيقها على ما تبتغي أهواؤهم السياسية، و أنهم حاولوا فرض شيء كثير من الاستبداد على عقول الناس و مشاعرهم لحد يكاد يبلغ الجمود، و آية ذلك ظاهرة في الفقه في هذا العصر، و توقف التفكير فيه عند حد التقليد و عجزه عن الابتكار و الرأي و القياس. و آية ذلك ظاهرة في بعض شعراء هذا العصر الذين أفسدت عليهم شاعريتهم حتى صاروا يؤلهون الحاكم و يعتقدون أن اللّه قد يتجسم في شخص الأئمة و الخلفاء: من ذلك ما قاله ابن هانىء الأندلسي في المعز:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار* * * فاحكم فأنت الواحد القهار
و كأنما أنت النبي محمد* * * و كأنما أنصارك الأنصار
و هو الذي تجدي شفاعته غدا* * * حقا و تخمد إذ تراه النار
إنهم استمدوا تعاليمهم من الأفلاطونية الحديثة و أخذوا ما نقله