الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٣٢ - الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة
و دعوتهم مرتبة على منازل، دعوة بعد دعوة، حتى تبلغ هذه الدعوات تسعا يبدأ الداعي أولا باستدراج المدعو بعد أن يكون قد وقف على هذه التعاليم و مبلغ إيمانه بدينه، و يستهويه إلى هالته العقلية، و يشرع يشككه في أفكاره بأسئلة إنكارية: ما معنى العدو بين الصفا و المروة؟ و لم كانت الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة و ما بال اللّه قد خلق الدنيا في ستة أيام؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ و ما معنى الصراط المضروب في القرآن مثلا و الكاتبين و الحافظين؟ أخاف أن نكابره و نجاحده حتى أدلى العيون و أقام علينا الشهود و قيد ذلك في القرطاس بالكتابة؟
و هكذا يستمر يلقي الأسئلة سراعا و ينفث سموم الريب في النفس، ثم يعقب على هذه الأسئلة بأسئلة الغرض منها استهواء المدعو إلى حظيرة الفلسفة و الهرطقة التي كانوا يقولون بها: أين أرواحكم؟ و كيف صورها و أين مستقرها، و ما أول أمرها؟ و الإنسان ما هو؟ و ما حقيقته؟ و ما الفرق بين حياته و حياة البهائم؟ و ما معنى قول الفلاسفة: الانسان عالم صغير و العالم إنسان كبير؟ و أمثالها حتى إذا علم الداعي أن نفس المدعو قد تعلقت بما سأله عنه و طلب منه الجواب عنها، قال له حينئذ: لا تتعجل فإن دين اللّه أعلا و أجل من أن يبذل لغير أهله، ثم بعد حديث و إغواء يأخذ عليه عهدا ألا يفشي سرا، و لا يظاهر أحدا عليهم، و لا يطلب لهم غيلة، و لا يكتمهم نصحا! و لا يوالي عدوا لهم، فإذا أعطى العهد طلب منه جعلا من المال يجعله مقدمة أمام كشفه له الأمور و تعريفه إياها.
و ينتقل إلى الدعوة الثانية و مرماها إثبات ضرورة وجوب الإمام الذي ينصبه اللّه للناس، و إلى تقرير أن الأئمة السبعة آخرهم محمد بن إسماعيل ابن جعفر، و هو صاحب ذلك الزمان، و عنده علم المستورات و بواطن المعلومات التي لا يمكن أن توجد عند أحد غيره، و على جميع الكافة اتباعه و الخضوع له و الانقياد إليه و التسليم له، لأن الهداية في موافقته و اتباعه و الضلال و الحيرة في العدول عنه .. ثم ينتقل إلى تعليل اعتقادهم في الأئمة و النقباء الاثني عشر.