آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٦٠ - الاستشفاع إلى الله
عدم مجيئهم للاستعانة على المغفرة باستغفار الرسول. و هذا يكفي في الحجة و الدلالة على ان الإعانة ليست بجميع أقسامها منحصرة باللّه. و على انه لا يلزمنا أن نقصر استعانتنا بقول مطلق على اللّه. و تفصيل ذلك هو انا ننظر إلى استعانات البشر قولا و عملا فنراها تكون على نحوين (النحو الأول) هو الاستعانة بالوسائل المجعولة من اللّه لنيل المقصود التي هي و ما فيها من التسبيب من جعل اللّه و خلقه. (و النحو الثاني) هو الاستعانة بالإله بما هو إله معين بإلهيته و قدرته الذاتية المطلقة الفائقة. و لا ريب في ان النحو الثاني من الاستعانة هو المتيقن في قصره على اللّه. لأن الاستعانة بهذا النحو إذا كانت بغير اللّه كانت تأليها لذلك الغير و اشراكا باللّه.
و مما ذكرنا من الآية و السيرة و اقترانإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في سياق توحيد اللّه و تمجيده بالمجد الإلهي تقوم الحجة و تتضح الدلالة على ان هذا النحو من الاستعانة هو تمام المقصور على اللّه دون النحو الأول
الاستشفاع إلى اللّه
و لا ريب في أن الاستشفاع إلى اللّه في دعائه و التوسل إليه بالنبي (ص) و الأئمة و الأولياء في الحوائج إنما هو من الاستعانة بالنحو الأول. و إنك إذا سألت حتى من الهمج عما يفعلون في توسلهم بالنبي (ص) و الأئمة و الأولياء قالوا انا نستشفع بهم إلى اللّه و نقدمهم أمام تضرعاتنا اليه لكرامتهم عليه و وجاهتهم عنده لأنهم من عباده المكرمين. فإن قلت لهم انكم ربما تخاطبونهم بالتضرع و التمجيد و طلب الحاجة منهم فما هذا. قالوا لك تخاطبهم بالضراعة ليشفعوا و بالتمجيد بما هم أهل له احتراما لمقامهم عند اللّه و بطلب الحاجة منهم إلحاحا عليهم و تأكيدا في الاستشفاع.
و بيانا لأن شفاعتهم وسيلة ناجحة كما تقول لمقرّب الملك فيما يرجع أمره إلى الملك أريد هذا الأمر منك. فإن قلت لهم هلا تسألون طلباتكم منهم. قالوا لك كيف و إنهم بشر لا يقدرون على ما يختص اللّه بالقدرة عليه من حيث الإلهية و لا إله إلا اللّه: فإن قيل ان اللّه ارحم الراحمين فما هي الحاجة إلى الاستشفاع. قلنا شرع الاستشفاع لأجل الحكمة التي شرع لأجلها الدعاء كما قال اللّه و هو أرحم الراحمين عالم الغيب و الشهادة في سورة المؤمن ٦٢ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ- ٦٧فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و في سورة الأعراف ٢٨وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ- ٥٤وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً فإن دعاء اللّه تمرين على عبادته و الالتجاء اليه و الفزع إلى إلهيته و قدرته ... فإن قيل أين شرع الاستشفاع. قلنا يكفي في الدلالة