آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٤ - اعجازه من وجهة الأخلاق
و النصارى في اجيالهم في اكثر من خمسة و عشرين قرنا و يعدونها كتاب وحي إلهي مقدس فانظر فيما فيها من شريعة تقديس هارون و بنيه و تفصيل ثيابهم و أوضاعها. و شريعة امرأة الأخ الميت. و تفلتها و ولدها البكر من الأخ الثاني. و شريعة من ادعى زوجها انه لم يجد لها عذرة. و شريعة قتل الأطفال و النساء من البلاد المفتوحة بالحرب فإنك تعرف ان هذه الشرائع لا تكون إلا من بشر سخيف قاس و تزداد بصيرة بمجد القرآن الشريف في تشريعه و إنه لا يكون الا من وحي إلهي و قد أشير الى شيء مما ذكرنا في أواخر الجزء الثاني من كتاب الهدى صفحة ٢٨٠- ٢٩٢ و الجزء الأول من الرحلة المدرسية صفحة ٢٩ و ٧٩- ٨٢ و انظر إلى العهد الجديد و الغائه لنظام المدنية و الأخذ أمام الظلم و العدوان بحيث ترك العالم بلا نظام راذع و لا شريعة تأديب عادلة فإنك تزداد بصيرة بأن المتقول على الوحي في أمر التشريع لا بد له من ان يسقط سقطة تشوه التاريخ و تئنّ منها الحقائق جزعا. فاعرف اذن اعجاز القرآن في تشريعه الممتاز بفضيلة الوحي الإلهي
اعجازه من وجهة الأخلاق
و إذا نظرت إلى ظلمات العصر و القطر و التربية و شيوع الجهل في الأمة و سوء الأعمال و عدم الدراسة في العلم أو التخرج في الفضيلة على الحكماء الصالحين فإنك ترى هذه الأمور لها اثر كبير في الجهل بالأخلاق الفاضلة و الانحراف عن جادتها و الخبط في معرفتها و تمييز حدودها.
فلا ترد البشر إلى الاستقامة في ذلك تكلفات الفكر المحاط بالجهل العام و الجيل المظلم و القطر الوبيء من نزغات الأهواء. و لئن حاول الرجل المريد للصلاح حينئذ شيئا من تهذيب الأخلاق لم يهتد السبيل في قوله و عمله إلا إلى شيء يشير اليه التداول بين جملة من الناس و لئن تكلف المتفلسف شيئا من التعليم بالأخلاق خبط فيها خبطا غلب فيه الجهل و الزلل و تتابعت فيه العثرات.
و من بين تلك الظلمات المذكورة بزغ القرآن الكريم بأنواره و أتى بما لا تسمح به العادة بأن يأتي به في تلك الظلمات بشر من عند نفسه و تقولا على الوحي فجاء في اجماله و تفصيله مستقصيا للأخلاق الفاضلة على حدودها بالحث على التزين بها بما توجبه الحكمة من البعث و الترغيب. و محصيا للأخلاق الرذيلة بالزجر عن التلوث بها بما يوجبه الإصلاح من الإرهاب و التنفير. و اقام لذلك في العالم اشرف مدرسة زاهرة و أعلى فلسفة مرشدة و ابلغ خطابة واعظة