آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٦٥ - سورة آلعمران(٣) آية ١٩
الكلام و وجهه اليه و لا يرتبط بغيره الا بالقرينة كما هو الشأن في كل كلام له حظ من البلاغة و الاستقامة. و فسروا القسط بالعدل. و الظاهر ارادة التقارب في المعنى لا الترادف و الاتحاد في المفهوم. فان الاستعمال و ما ورد في القرآن الكريم ينافيان ذلك لأنه يقال عادل و لا يقال قاسط الا للجائر و نحوه. بل يقال لما يجعلونه بمعنى العادل مقسط و ان اقسط يعدى بإلى كما في قوله تعالى في سورة الممتحنة ٨أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ و العدل لا يعدى بإلى و أظن ذلك منهم كتفسير الظلم بالجور مع ان الجور لا يتعدى الا بعلى. و الظلم يتعدى بنفسه فإنهم يفسرون اللفظ بما يقاربه في المعنى حيث لا يجدون له مرادفا. و من الظاهر في التبادر ان الجور ابلغ في العدوان من الظلم. و قد استفاض
في حديث الفريقين في المهدي (ع) يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا،
و في سورة الحجرات ٩فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا و الظاهر من ذلك هو التأسيس لا التأكيد. و قال اللّه تعالى في سورة المائدة ١١شُهَداءَ بِالْقِسْطِ فالقسط انسب بالشهادة من العدل و القائم بالشيء هو محققه و مجريه و مديمه اي شهد اللّه و هو المجري للقسط و الحق و مديمه في الشهادة و غيرها. فما أعظمها و ما اكبر شانها من شهادةلا إِلهَ إِلَّا هُوَ و هذا تأكيد للمشهود به بعد الاخبار به كما تقول اشهد بكذا و هو كذلك الْعَزِيزُ في إلهيته و وحدانيتهالْحَكِيمُ في اعماله
[سورة آلعمران [٣]: آية ١٩]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [١٩]
١٧إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قد مر تفسير الإسلام في الآية الثانية و العشرين بعد المائة، و تفسير الدين في التاسعة و الثمانين بعد المائة من سورة البقرة. و ان دين الإسلام هو دين الفطرة الذي تجلت فيه ادلة العقل و النظر في ملكوت العالم و دعوة الأنبياء و الرسل و صراحة الكتب الإلهية المشهود لها بدلالة المعجزات. و قد بقي ما يكفي في ذلك فيما حرف من التوراة و الإنجيلوَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في هذا الدين و هم بنو إسرائيل و خصوص اليهود و النصارى فتقلب الغالب من بني إسرائيل في الشرك من يوم مروا على عبدة الأوثان و ذلك بعد ما اسلموا لموسى و رأوا الآيات النيرات في مصر و انشقاق البحر لهم و عبورهم فيه على الأرض اليابسة فقالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [١] و يوم عبدوا العجل و استمروا على التقلب في الشرك في اجيالهم كما هو
[١] كما في سورة الأعراف ١٣٤- ١٣٧