الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٦
ثم نقول: كون اللّه تعالى مؤثرا فى وجود العالم. اما أن يكون حادثا أو قديما. فان كان حادثا افتقر الى محدث. فكانت مؤثرية المؤثر فى احداث تلك المؤثرية زائدا عليه، فيلزم التسلسل فاذن مؤثرية اللّه تعالى فى العالم صفة قديمة. و لكن كون الشيء مؤثرا فى غيره، صفة اضافية. لا يعقل ثبوتها الا مع ثبوت المضافين. فاذن كون الشيء موصوفا بصفة المؤثرية، من غير وجود الأثر محال عقلا. و اذا كانت صفة المؤثرية قديمة، يلزم كون الأثر قديما. و ذلك يوجب القول بقدم الآثار.
الشبهة الثالثة لهم: قالوا: العالم لو كان محدثا، لكان قبل حدوثه، اما أن يكون ممكنا، أو واجبا، أو ممتنعا. فان كان واجبا، كان قبل وجوده موجودا. و هذا محال. و ان كان ممتنعا، ثم انقلب ممكنا، لزم أن ينقلب الممتنع لذاته، ممكنا لذاته. و هو محال. و لما بطل القسمان لم يبق الا الثالث. و هو أن العالم قبل حدوثه، كان ممكن الوجود. فنقول: الامكان اما أن يكون صفة سلبية، أو ثبوتية. و الأول باطل. لأن الامكان نقيض الامتناع، و الامتناع عدم. اذ لو كان موجودا لكان الممتنع الموصوف به أولى بأن يكون موجودا. فثبت: أن الامكان صفة ثابتة.
فنقول: هذا الامكان اما أن يكون عبارة عن كون القادر متمكنا من ايجاده، و اما أن يكون وصفا راجعا الى ذات الممكن. و الأول باطل.
و ذلك لأن القادر يمكنه ايجاد الممكنات، و لا يمكنه ايجاد المحالات، فلولا امتياز الممكن عن المحال بوصف عائد إليه، و الا لم يكن اقتداره على ايجاد الممكنات أولى من اقتداره على ايجاد المحالات، فثبت: أن كل محدث مسبوق بالامكان، و ثبت أن الامكان صفة موجودة عائدة الى ذات الممكن.
و من المعلوم بالبداهة: أن الموصوف بالصفة الموجودة، لا بد و أن