الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٣١
و انما قلنا: انه لما كانت التصورات غير مكتسبة، كانت التصديقات البديهية غير مكتسبة. و ذلك أن التصديقات البديهية هى التى يكون مجرد طرفى موضوعها و محمولها، كافيا فى جزم الذهن باثبات أحدهما للآخر أو سلبه عنه.
و على هذا التقدير: ان حضرت التصورات، كان ذلك التصديق واجب الحصول، و ان لم تحضر كان ذلك التصديق ممتنع الحصول.
و اذا كان هذا التصديق واجب الحصول، لزم الدوران، نفيا و اثباتا عند حضور تلك التصورات نفيا و اثباتا. و ثبت: أن حضور تلك التصورات نفيا و اثباتا ليس باختيار الانسان، فلزم أن يكون حصول هذه التصديقات نفيا و اثباتا، ليس باختيار الانسان. فثبت: أن هذه التصديقات البديهية، ليس شيء منها مكتسبا.
و انما قلنا: انه لما كان الأمر كذلك، امتنع أن يكون شيء من التصديقات مكتسبا. و ذلك لأن التصديقات المكتسبة لا تتسلسل و لا تدور، بل لا بد من انتهائها الى المكتسب الأول، فيكون التصور المكتسب الأول هو تلك البديهيات لا محالة، فتلك البديهيات اما أن تكون تامة فى استلزام المكتسب الأول، و اما أن لا تكون. فان كانت البديهيات تامة، لزم من حصولها حصول المكتسب الأول، و يلزم من عدمها امتناع حصول المكتسب الأول، لأنه لا سبب للمكتسب الأول الا تلك البديهيات و حينئذ يكون المكتسب الأول واجب الدوران، نفيا و اثباتا، مع ما لا يكون باختياره، لا نفيا و لا اثباتا. و حينئذ يخرج المكتسب الأول عن أن يكون باختياره.
و اذا عرفت هذا فنقول: حال المكتسب الثانى بالنسبة الى المكتسب الأول- كما ذكرناه- و على هذا التقدير، لا يكون شيء من العلوم مكتسبا.