الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٦
قلنا: أنتم سلمتم أن العدم الأزلى جائز الزوال. و لا يمتنع أيضا أن يكون تأثير العلة فى معلولها: موقوفا على شرط عدمى أزلى.
اذا ثبت هذا، فنقول: لم لا يجوز أن يكون الواجب لذاته: علة لوجود ذلك الأزلى، الا أن تأثيره فى ايجابه كان موقوفا على شرط عدمى أزلى، ثم ان ذلك الشرط العدمى الأزلى زال. و لما زال شرط التأثير، لا جرم زال الأثر. و هذا سؤال قوى.
ثم نقول: قولكم «الأزلى لا يزول» منقوض بأمور:
أحدها: أنه تعالى كان عالما فى الأزل بأن العالم سيوجد، فاذا أوجده لم يبق علمه بأن العالم سيوجد، و الا كان ذلك جهلا. فاذن علمه بأن العالم سيوجد أزلى، مع أنه قد زال.
و ثانيها: ان اللّه تعالى كان موصوفا فى الأزل بأنه يصح منه ايجاد العالم فى لا يزال ابتداء. ثم اذا أوجد اللّه تعالى العالم، استحال بعد ذلك أن يصح منه ايجاد العالم ابتداء. و الا لكان ذلك ايجاد الموجود. و انه محال. فتلك الصحة: حكم أزلى. و قد زال.
و ثالثها: ان النسخ عندكم عبارة عن رفع الحكم. و ذلك الحكم المرفوع اما أن يقال: انه كان حدثا، أو كان قديما. و الأول محال و الالزام كون ذات اللّه تعالى محلا للحوادث. فبقى القسم الثانى و هو أن ذلك الحكم المرفوع كان اذن قديما. فارتفاعه يكون زوالا للقديم.
سلمنا: أن الثابت الأزلى لا يزول. فلم قلتم بأن كل سكون، فانه ممكن الزوال؟ و هذا باطل. لأنا نشاهد بعض الأجسام متحركة.
و لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام مختصا بأحياز معينة، على سبيل الوجوب، بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز؟ فانكم ما لم تبطلوا هذا الاحتمال، لا يتم لكم اثبات أن كل جسم محدث.