الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٩
و الثانى: ان الله تعالى جعل تلك الأصوات المخصوصة، معرفة لكونه تعالى مريدا لبعض الأشياء و كارها لبعضها. و هذا أيضا غير ممتنع. و اذا سلم هذان المقامان عن الطعن، فقد سلمنا لهم صحة كونه تعالى متكلما بالمعنى الّذي أرادوه.
و أما المنازعة فى اللفظ: فهو أن من فعل هذه الأصوات المخصوصة- و هى الحروف المركبة فى جسم- لغرض أن يعرف غيره ما يريده أو يكرهه، فهل يسمى متكلما فى اللغة أم لا؟ و معلوم: أن هذا البحث بحث لغوى محض، و ليس للمعنى به تعلق البتة.
فثبت بما ذكرنا: أن كونه تعالى متكلما بالمعنى الّذي يقوله «المعتزلة» مما نقول به و نعترف به و لا ننكره بوجه من الوجوه.
انما الخلاف بيننا و بينهم فى أنا نثبت أمرا آخر، وراء ذلك. و هم ينكرونه. و سنذكر، أن ذلك الشيء ما هو؟ و أما «الكرامية» فهم يقولون: انه تعالى يخلق الأصوات و الحروف فى ذاته. و هذا يرجع الى أنه تعالى هل يجوز أن يكون محلا للحوادث أم لا؟ و أما أصحابنا.
فقد قالوا: ثبت أن الكلام القائم بالنفس معنى مغاير للقدر و الارادات و العلوم و الاعتقادات. و ندعى: أن البارى تعالى موصوف بهذا المعنى، و ندعى: أن هذا المعنى قديم. و ندعى: أنه معنى واحد، و هو مع كونه واحدا، أمر و نهى و خبر و استخبار و نداء.
و المعتزلة و الكرامية ينازعون أصحابنا فى كل واحد من هذه المواضع الأربعة. فأولا: ينكرون اثبات معنى مغاير للاعتقادات و الارادات و بتقدير تسليمه، ينكرون كونه موصوفا به، و بتقدير تسليمه، ينكرون كونه قديما. و بتقدير تسليمه، ينكرون كونه واحدا. فهذا تلخيص محل النزاع فى هذا الباب.
أما المقام الأول: و هو اثبات أن كلام النفس أمر مغاير للارادات و الاعتقادات. فقد تقدم تقريره على أحسن الوجوه.