الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٩٨
أحدها: انا نرى الأعراض مقابلة للجسم، الا أنها حالة فى الأجسام المقابلة للرائى. فكانت فى حكم المقابلة. و ثانيها: انا نرى وجوهنا فى المرآة، و يستحيل أن يكون الوجه مقابل لنفسه، الا أن الشعاع يخرج من العين الى المرآة، ثم ينعكس من المرآة الى الوجه، و بهذا الطريق يكون الوجه جاريا مجرى المقابل لنفسه. و ثالثها: الشيء الّذي يوضع فى الرطوبة. فانه و ان لم يكن فى مقابلة العين، الا أن شعاع العين ينعطف عليه و يصير مرئيا. فهو أيضا فى حكم المقابل. اذا عرفت هذا فنقول: ان «أبا الحسين البصرى» ادعى العلم الضرورى بأن ما لا يكون مقابلا، و لا فى حكم المقابل، يمتنع أن يرى.
الشبهة الثالثة- و هى شبهة الانطباع- و هى أن كل ما يصير مرئيا، لا بد و أن تنطبع صورته و مثاله فى العين. و اللّه تعالى لا صورة له و لا مثال، فوجب أن تمتنع رؤيته.
الشبهة الرابعة: ان كل ما كان مرئيا، فلا بد له من لون و شكل.
و دليله: الاستقراء. و اللّه تعالى منزه عن ذلك، فوجب أن لا يرى.
فهذا مجموع شبههم فى نفى الرؤية.
[اما الجواب عن الشبه النقلية]
و الجواب عن الشبهة الأولى-
و هى تمسكهم بقوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام ١٠٣] من وجوه:
الأول: لا نسلم أن الادراك عبارة عن الرؤية، بل هو عبارة عن الوصول. يقال: أدرك الغلام اذا صار بالغا، و أدركت الثمرة اذا وصلت الى حد النضج. قال تعالى: قالَ أَصْحابُ مُوسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء ٦١] أى لملحقون. اذا عرفت هذا فنقول: ان من رأى شيئا و رأى أطرافه و نهاياته. قيل: انه أدركه- على تقدير أن يكون قد أحاط به من جملة جوانبه- و هذا المعنى انما يتحقق فى الشيء الّذي له أطراف و نهايات. و البارى تعالى منزه عن ذلك. فلم تكن