الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٠
و ثانيها: انا لو قدرنا حجرا واقفا فى ماء جار، فالشيء الساكن لا معنى لسكونه، الا أنه بقى فى مكانه أكثر من زمان واحد. و لا يمكن أن يكون المكان مفسرا بالسطح المحيط، لأن الماء اذا كان جاريا على ذلك الحجر، لم يبق ذلك الحجر ملاقيا لسطح واحد، أزمنة كثيرة.
فلو كان المكان عبارة عن السطح، لوجب أن لا يكون ذلك الحجر واقفا. و لما دلت المشاهدة على أنه واقف ساكن، علمنا: أنه لا بد و أن يكون المكان أمرا آخر، مغايرا للسطح المحيط. و ما ذلك الا ذلك البعد الّذي نفذ بعد الجسم الواقف فيه.
و ثالثها: ان كل أحد يعلم بالضرورة أن بين طرفى الآنية مقدارا من البعد. و ذلك المقدار من البعد، ليس هو الجسم. و الا لزم القول بكون العالم ملاء. و ذلك محال. و الا لكانت الحركة ممتنعة على الأجسام. فثبت: أن البعد المفترض بين طرفى الآنية ليس بجسم.
و لا شك أن الجسم ينفذ فيه و ينطبق بعده عليه. فثبت: أن المكان بعد.
لأنا نقول:
اما التفسير الأول: فهو باطل قطعا. و ذلك لأن المسمى بالحيز، أما أن لا يكون له وجود فى الخارج، و اما أن يكون له وجود فى الخارج. فان لم يكن له وجود فى الخارج، امتنع أن يكون الجسم الموجود فى الخارج حاصلا فيه. لأن ما لا يكون موجودا فى الخارج، امتنع حصول الجسم فيه فى الخارج، و أما ان كان له وجود فى الخارج، فحينئذ يرجع التقسيم المذكور بتمامه.
و اما التفسير الثانى: و هو أن القول بأن المكان عبارة عن البعد المجرد. فنقول: هذا باطل قطعا. و يدل عليه وجوه ثلاثة:
أحدها: ان طبيعة البعد اما أن تكون قابلة للحركة، و اما أن لا تكون قابلة لها. فان كانت قابلة للحركة، فاذا كان المكان هو بعدا،