الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٧
الحجة الثانية: كل ما كان مشارا إليه بحسب الحس، فانه لا بد و أن يتميز يمينه عن يساره. فهو متناه من جميع الجوانب.
و كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب، فهو محدث. و انما قلنا:
ان كل ما كان مشار إليه بحسب الحس فهو متناه من جميع الجوانب لوجهين:
الأول: البرهان المذكور و فى مسألة حدوث الأجسام على تناهى الأبعاد. و ذلك هو العمدة القوية التى لا ريب فيها.
الثانى: انه تعالى لو كان غير متناه، لكان اما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب، أو بعض الجوانب. لا جائز أن يكون غير متناه من جميع الجوانب. لأن على هذا التقدير، يلزم أن يكون العالم ساريا فى ذات اللّه تعالى و حالا فيه. و يلزم: أن تكون ذاته مخالطة للقذورات- تعالى اللّه عن هذا المقال، و عن هذا الوهم و الخيال- و لا جائز أن يقال: انه غير متناه من بعض الجهات دون البعض. و ذلك لأن الجانب المتناهى من ذاته، اما أن يكون مساويا للجانب الآخر- الّذي هو غير متناه فى الحقيقة و الماهية- و اما أن لا يكونا متساويين. فان كان الأول فكل شيئين متساويين من جميع الوجوه، فكل ما يصح على أحدهما يصح على الآخر، فيلزم ان يقال: الجانب الّذي هو غير متناه، يصح أن ينقلب متناهيا، و الجانب الّذي هو متناه يصح أن ينقلب غير متناه فيكون الفصل و الوصل و التركيب و التفرق جائزا على ذات اللّه تعالى، فيفتقر ذلك التأليف الى مؤلف، و ذلك التركيب الى مركب. و ذلك على خالق العالم محال ممتنع. و اما ان كان الجانب المتناهى مخالفا فى الماهية للجانب الّذي هو غير متناه، فكل ذات كانت مركبة من اجزاء مختلفة فى الماهية و الطبيعة، فلا بد و أن ينتهى فى ذلك التركيب الى أجزاء يكون كل واحد منها فى نفسه بسيطا خاليا من التركيب فالجزء الواحد من تلك الاجزاء البسيطة لا بد و أن يماس بيمينه شيئا، و بيساره شيئا آخر