الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٦
فهذا هو الكلام فى هذه المقدمة مع أنه ليس لأحد من المتقدمين و لا من المتأخرين خوض فيها بالتقرير و الاشكال و باللّه التوفيق.
المقدمة الثالثة: من مقدمات برهان اثبات واجب الوجود: نفى الدور.
و الدور: هو أن يحصل موجودان، ممكنان. و يكون كل واحد منهما علة لوجود الآخر.
و من الناس من احتج على فساد ذلك بأن قال: المؤثر متقدم على الأثر بالذات. فلو كان كل واحد منهما مؤثرا فى الآخر، لكان كل واحد منها متقدما بالذات على الآخر، فكان كل واحد منهما متقدما على المتقدم على نفسه، و المتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء، فيلزم كون كل واحد منهما مقدما على نفسه بمرتبتين.
و ذلك محال. لأنه من حيث انه متقدم يقتضي أن يكون موجودا قبل، و من حيث انه متأخر يقتضي أن لا يكون موجودا قبل. و هذا يقتضي أن يكون موجودا قبل، و أن لا يكون موجودا قبل. فيلزم اجتماع العدم و الوجود فى الشيء الواحد من الوجه الواحد. و هو محال.
و أعلم: أن هذه الحجة مبنية على مقدمة مشكلة. و هى اثبات التقدم الذاتى. فنقول: ليس المراد من هذا التقدم التقدم بالزمان. لأنا قد بينا فى أول هذا الكتاب: أن تقدم المؤثر على الأثر لا يجب أن يكون بالزمان، لأن حركة الاصبع علة لحركة الخاتم. مع أن هاتين الحركتين يحصلان معا، و لا تقدم لأحدهما على الأخرى بالزمان البتة.