الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٤
ذلك الفعل بذلك المقدار، و يصح وقوعه أزيد منه أو أنقص منه. فوقوع ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه، أو دون ما هو أنقص منه، لا يكون الا لأجل القصد و الاختيار. و القصد و الاختيار مشروط بالعلم، لأن القصد الى ايجاد العشرة فوق الخمسة، و دون العشرين، لا يتأتى الا مع العلم بأنه عشرة، و ليس بخمسة، و ليس بعشرين.
فثبت: أن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه، لكان عالما بتفاصيل أفعال نفسه. و هذا هو معنى قوله سبحانه و تعالى: أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك ١٤) أحدها: ان النائم و المغمى عليه قد ينقلب من أحد جنبيه الى و انما قلنا: ان العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه لوجوه:
الجنب الآخر، مع أنه ليس له من كمية تلك الأفعال و لا كيفيتها خبر البتة.
و الثانى: ان أكثر المتكلمين متوافقون فى اثبات الجوهر الفرد، و متى ثبت القول بالجوهر الفرد، كان التفاوت بين الحركات فى البطء و السرعة، لأجل تخلل السكنات فيما بين الحركات. و سيأتى البرهان على ذلك فى تقرير مسألة الجوهر الفرد.
و اذا ثبت هذا فنقول: النملة اذا تحركت بحركة بطيئة، فذاك لأنها تحركت فى بعض الأحياز و سكنت فى بعضها. و معلوم أنه ليس عند النملة خبر من كمية عدد تلك الأحياز، و ليس عندها خبر من أنها سكنت هاهنا، و تحركت هناك، و الحال فى الآدمى الّذي هو أعقل الحيوانات كذلك، فانه اذا مشى فلا شك أن مشيه أبطأ من حركة الفلك.
و ذلك لأنه سكن فى بعض الأحياز، و تحرك فى بعضها. و هذا الّذي هو أعقل الخلق، لو أراد أن يعرف أنه أين سكن؟ و اين تحرك؟ لم يعرف. فعلمنا: أن العبد غير عالم بتفاصيل أحوال فعله.