الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨٩
جعل قوله: و ان غفلوا فى مقابلة قوله: نظروا. و انما يغفل الانسان عن أمر يفعله و يشتغل بتحصيله، و ما ذلك الا تقليب الحدقة.
الحجة السابعة عشر: أنشد بعضهم:
|
و نظرة ذى شجن وامق |
|
اذا ما الركائب، جاوزن ميلا |
أثبت النظر بعد مجاوزة الركائب ميلا. و معلوم: أن الرؤية غير حاصلة فى هذا الوقت، و لما أثبت النظر حال عدم الرؤية، ثبت أن النظر حال عدم الرؤية، ثبت أن النظر غير الرؤية.
الحجة الثامنة عشر- و من هاهنا نذكر الوجوه الدالة على أن النظر المقرون بحرف «الى» قد يجيء بمعنى الانتظار، لا بمعنى الرؤية- فنقول: قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة ٢٣] معناه:
أنها تنظر الى الرب لا الى غيره. و ذلك لأن تقديم المفعول يفيد الحصر، كما فى قوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى ٥٢] و عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ [هود ٨٨] و أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم ٤٢] و إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [العلق ٨] و إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ [القيامة ٣٠] اذا ثبت هذا فنقول:
مقتضى الآية: أنهم لا ينظرون الى غير اللّه تعالى. و لا شك أنهم يرون غير اللّه تعالى. و ذلك لأنهم يرون الجنة و النار و مرافق القيامة.
و ذلك لأن المؤمنين نظارة فى ذلك اليوم، لأنهم هم الآمنون لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. و لما دلت الآية على أنهم لا ينظرون الى غير اللّه تعالى، و دل العقل على أنهم يرون غير اللّه، علمنا: أن النظر غير الرؤية. أما اذا حملنا هذا اللفظ على الانتظار، صح هذا الحصر. و ذلك لأنهم لا ينتظرون الا رحمة اللّه، و لا يتوقعونها الا منه.