الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٩
و الكذب على الله تعالى محال. و المفضى الى المحال محال. فكان صدور الايمان عنهم محالا، مع أن الله تعالى كان يأمرهم بالايمان.
الوجه الثالث: انه تعالى كلف «أبا لهب» بالايمان. و من جملة الايمان تصديق الله تعالى فى كل ما أخبر عنه. و مما أخبر عنه:
أن «أبا لهب» لا يؤمن. فقد صار «أبو لهب» مكلفا بأن يؤمن، بأنه لا يؤمن. و هذا تكليف بالجمع بين النقيضين.
الوجه الرابع: هو ان توجه التكليف على العبد. اما أن يكون حال استواء الداعى الى الفعل أو الترك، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر. أما الأول فهو تكليف بما لا يطاق. لأن الاستواء و الرجحان متناقضان، فلو كلف حال الاستواء بالترجيح، لكان قد وقع التكليف بالجمع بين النقيضين. و أما الثانى فهو أيضا تكليف بما لا يطاق، لأنه ان كلف بالراجح، فالراجح واجب الوقوع- على ما بيناه- و ما كان واجب الوقوع لنفسه، استحال أن يكون وقوعه بايقاع موقع منفصل، فكان أمره بايقاعه، أمرا له بما ليس فى وسعه، و ان كلف بالمرجوح فالمرجوح ممتنع الوقوع، فكان هذا أمرا بايقاع ما يكون ممتنع الوقوع. و الله أعلم.
فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: انه حال استواء الداعيين، يكون مأمورا بالترجيح لا فى هذه الحالة التى هى حالة الاستواء، بل فى الحالة الثانية منهما؟ قلنا: اذا توجه عليه هذا التكليف فى حال الاستواء. فاما أن يؤمر حال الاستواء بأن يحصل الترجيح فى هذه الحالة التى هى حال الاستواء، فيكون هذا جمعا بين النقيضين.
و اما أن يقال: انه فى هذه الحالة مأمور بأن يوقع الترجيح فى الحالة الثانية من هذه الحالة. و نقول: هذا القسم أيضا ينقسم الى قسمين.
و ذلك لأنه اما أن يكون المراد منه: أنه حال الاستواء أعلمه أنه اذا