الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠
و صفة الشيء مفتقرة الثبوت الى تحقق الموصوف. فحدوث الشيء مفتقر الى وجوده ثم ان وجوده مفتقر الى تأثير المؤثّر فيه، الّذي هو مفتقر الى احتياج الأثر الى المؤثر، الّذي هو مفتقر الى علة ذلك الاحتياج، و الى جزء تلك العلة، و الى شرط تلك العلة. فلو كان الحدوث علة للحاجة، أو جزءا من تلك العلة، أو شرطا لتلك العلة، لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب و هو محال. فعلمنا: أنه لا عبرة بالحدوث فى حصول احتياج الأثر الى المؤثر.
الوجه الرابع: و هو أن الممكن الخاص هو الّذي يصدق عليه أنه يمكن وجوده، و يمكن عدمه. و اذا ثبت هذا، فنقول: كون العدم ممكنا اما أن يكون محوجا الى المؤثر، و لا يكون كذلك. فان كان الأول كان العدم الممكن المستمر من الأزل الى الآن محتاجا الى المرجح.
فثبت: أن الشيء حال استمراره، قد يفتقر الى المؤثر. و ان كان الثانى فهو باطل، لأن ماهية الامكان الخاص واحدة فى جانبى الوجود و العدم. فان لم يكن فى جانب العدم محوجا الى المرجح، فكذا فى جانب الوجود، وجب أن لا يحوج الى المؤثر. و حينئذ يلزم استغناء الممكن عن المؤثر. و هو محال.
الوجه الخامس: ان الممكنات لا بد من انتهائها فى سلسلة الحاجة الى واجب الوجود. فنقول: واجب الوجود اما أن يكون مستجمعا لجميع تلك الأمور المعتبرة فى المؤثرية فى الأزل، أو ما كان مستجمعا لتلك الأمور فى الأزل. فان كان الأول لزم من دوامه مع دوام جميع ذلك الأمور المعتبرة فى المؤثرية، دوام آثاره. و على هذا التقدير، ثبت: أن استناد الأثر الى المؤثر، لا يتوقف على كون الأثر حادثا.
و أما ان قلنا بأنه تعالى ما كان مستجمعا فى الأزل لجميع الأمور المعتبرة فى المؤثرية، فحينئذ يكون حصول تلك الأمور المعتبرة فى المؤثرية حادثا. ثم الكلام فى كيفية حدوثها كما فى الأول. و يلزم التسلسل. و هو محال.