الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٠٣
قلنا: هذا معارض بجملة العاديات. سلمنا: أن عند حضور هذه الشرائط فى الشاهد، يكون الادراك واجب الحصول، فلم قلتم: ان فى حق اللّه تعالى يجب أن يكون كذلك؟ و تحقيقه: هو أن ذات اللّه تعالى مخالفة بالحقيقة و الماهية لهذه الحوادث. و المختلفان فى الماهية لا يجب استواؤهما فى اللوازم. فلم يلزم من كون الادراك واجبا فى الشاهد عند حضور هذه الشرائط، كونه واجبا فى الغائب عند حضورها؟
و مما يدل عليه: أن الادراك فى الشاهد مشروط بشرائط ثمانية، و فى الغائب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره. فكذلك لا يمتنع أن يكون الادراك فى الشاهد واجب الحصول، و فى الغائب لا يكون واجبا. و هذا سؤال متعين لم يتنبه له أحد من المعتزلة، و لا نبه أحد من أصحابنا عليه.
و أما الشبهة الثانية: فالجواب عنها من وجهين:
الأول: انا بينا فى المقدمة: أن ذكر الدلائل لا بد أن يكون مسبوقا بتعيين محل النزاع. فنقول: محل النزاع: ان الموجود المنزه عن المكان و الجهة. هل تجوز رؤيته أم لا؟ فان ادعيتم أن العلم بامتناع رؤيته ضرورى، فذلك باطل- على ما بيناه فى المقدمة- و ان ادعيتم أن هذا العلم استدلالى. فلا بد فيه من الدليل. و قولكم «ان كل مرئى، لا بد و أن يكون مقابلا»: يقرب من أنه اعادة للدعوى.
لأن المقابل هو الّذي يكون مختصا بجهة قدام الرائى فكأنكم قلتم:
الدليل على أن ما لا يكون فى الجهة لا يكون مرئيا: هو أن كل ما كان مرئيا فى جهة. و المنطقيون يسمون هذه القضية الثانية: عكس نقيض القضية الأولى. و فى الحقيقة لا فرق بين القضيتين فى الظهور و الخفاء. فلم يجز جعل أحدهما حجة فى صحة الأخرى، بل يقرب هذا من أن يكون اعادة للمطلوب بعبارة أخرى.
و الوجه الثانى فى الجواب: ثبت أن المقابلة شرط للرؤية فى الشاهد. فلم قلتم: انه فى الغائب كذلك؟ و تقريره: ما ذكرناه فى