الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨٧
و معلوم: أن رؤية هؤلاء واحدة. لأنهم يرون الشيء على ما هو عليه. و من الممتنع وقوع التفاوت فى نفس الرؤية، بل المراد من قوله: نظر الى نظر غضبان: وصف عينه بما تكون عليه عين الغضبان من الانحراف و الازورار، و لا يعارض هذا بقولهم: فلان يرانى بعين الرضا و بعين الغضب و بعين الذل، لأن فى هذا الكلام ما أدخلوا التقسيم على الرؤية، بل أضافوا الرؤية تارة الى عين الرضا و تارة الى عين الغضب.
الحجة الحادية عشرة: انهم يصفون النظر بما لا يمكن أن توصف به الرؤية. و ذلك يوجب التباين بينهما. فانه يوصف النظر بكونه شزرا.
قال الشاعر:
و لا خير بالبغضاء و النظر الشرز.
و معلوم: أن الشزر كيفية فى موضع العين و تحريكها.
و منها: أنهم يصفون النظر بالشدة و الصلابة. أنشد ابن قتيبة:
|
يتقارضون اذا التقوا فى موطن |
|
نظرا يزيل مواطن الاقدام |
قال ابن قتيبة: يكاد يزيلها من شدته و صلابته. و المراد من تلك الشدة: الاعتماد على الحدقة فى تقليبها و تحريكها.
الحجة الثانية عشر: ان الّذي يقدر عليه الانسان فى باب الرؤية، انما هو تقليب الحدقة الى جهة المرئى. فأما حصول الرؤية فليس ذلك فى قدرة الانسان. اذا ثبت هذا فنقول: لو حملنا لفظ النظر على تقليب الحدقة، كان قولنا فى الأمر و النهى: انظر، و لا تنظر.
محمولا على الحقيقة. أما لو حملنا النظر على الرؤية، لوجب حمل قولنا أ انظر و لا تنظر، على مقدمات الرؤية، لا على نفس الرؤية. فيصير هذا اللفظ مجازا. و معلوم: أن حمل للكلام على معنى يبقى اللفظ