الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٤
الآخر، الا اذا خص ذلك القادر، ذلك الطرف بنوع ترجيح، أو يقال:
أنه يرجح أحد الطرفين على الآخر، و ان لم يخص ذلك القادر ذلك الطرف بنوع ترجيح. فان كان الأول فحينئذ يتوقف رجحان ذلك الطرف على الطرف الآخر، على انضياف ذلك المرجح إليه. و حينئذ يعود الاشكال من الرأس. و هو أن ذلك المرجح. هل كان حاصلا فى الأزل، أو ما كان حاصلا فى الأزل؟ فان كان الحق هو الثانى. كان معنا، أنه يترجح أحد مقدورية على الآخر، من غير أن يكون ذلك الرجحان، لسبب ترجيحه. و حينئذ لا يكون ذلك الفعل واقعا بايقاعه بل يكون واقعا من غير سبب. و ذلك يقتضي استغناء الفعل عن الفاعل.
و بهذا الحرف يظهر ضعف كلامهم فى التمثيل بالهارب من السبع، اذا عن له طريقان و بالعطشان اذا خير بين شرب قدحين.
لأن فى هذه الصورة يعلم كل أحد أنه ما لم يحضر فى قلبه إرادة الذهاب فى أحد الطريقين، و إرادة شرب أحد القدحين، فانه لا يترجح ذلك الطريق على الثانى، و لا يترجح ذلك القدح على الثانى. فظهر بهذا ان حصول الترجيح من غير المرجح. اما أن يكون محالا، و اما أن يلزم منه نفى المؤثرات و التأثرات. و ذلك يوجب نفى الصانع بالكلية.
و هو باطل.
فهذا تمام الكلام فى تقرير هذه الشبهة. و هى فى الحقيقة أعظم شبه الفلاسفة فى هذه المسألة.
و الشبهة الثانية لهم فى هذه المسألة: قالوا: المفهوم من كون الواجب مؤثرا فى العالم، أمر مغاير لذات واجب الوجود، و لذات العالم. و يدل عليه وجوه:
أحدها: انه يمكنا أن نعقل ذات واجب الوجود، و نعقل ذات العالم، مع الشك فى أن واجب الوجود مؤثر فى العالم. و مع الشك