الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٨
الا أنه يرجع الكل الى حرف واحد، و هو أنه لو لا الاستقلال بالفعل، لكان الأمر و النهى و المدح و الذم و الثواب و العقاب: باطلا.
و الجواب: ان هذا السؤال لازم عليكم أيضا، من ستة أوجه:
الأول- هو أن العلم بعدم الايمان و وجود الايمان، متضادان متنافيان لذاتيهما، كما أن الحركة و السكون متنافيان متضادان لذاتيهما.
و ذلك لأن العلم بعدم الايمان لا يكون علما، الا مع عدم الايمان، و عدم الايمان و وجوده متنافيان، فوجب القول بأن العلم بعدم الايمان.
مناف و مضاد لوجود الايمان، و كما أن الأمر بالجمع بين الحركة و السكون، أمر بايجاد ما يمتنع وجوده، فكذلك الأمر بالايمان، مع قيام العلم بعدم الايمان أمر بالجمع بين الضدين.
اذا عرفت هذا، فنقول: انه تعالى كان عالما من الأزل الى الأبد، بأن «أبا لهب» لا يؤمن. ثم انه كان يأمره بالايمان، فكان هذا أمرا بالجمع بين النقيضين. و هو محال. فالقول بتكليف ما لا يطاق لازم عليه فى مسألة العلم، كما أنه لازم علينا فى مسألة خلق الأفعال.
و لو أن جملة العقلاء اجتمعوا و أرادوا، أن يوردوا على هذا الكلام حرفا، لم يقدروا عليه. الا أن يلتزموا مذهب «هشام بن الحكم» و هو أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، لا بالوجود و لا بالعدم.
الا أن أكثر [٦] المعتزلة يكفرون من يقول بهذا القول. و الله أعلم.
الوجه الثانى فى الالزام: انه تعالى قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة ٦]، فأولئك الذين أخبر الله عنهم بهذا الخبر، لو آمنوا لانقلب هذا الخبر كذبا،
[٦] أكثر: ب- و
المعتزلة يكفرون بناء على تغير العلم المستلزم قيام الحوادث بالذات. لكن اذا فسرت
قوله تعالى
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
على معنى أن الله يكلم الناس على قدر عقولهم فان المعتزلة لا يكفرون على هذا
التفسير.