الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨
و ثانيها: و هو أنا لو قلنا بأنه كان ممتنعا لذاته، ثم انقلب ممكنا.
فحدوث ذلك الامكان اما أن يكون لأمر، أو لا لأمر، فان كان لأمر فحدوث ذلك الامكان يكون ممكنا لذاته و الكلام فى الامكان الثانى، كما فى الأول. فيلزم التسلسل. و ان كان لا لأمر، فقد جوزتم أن ما كان ممتنعا لذاته، انقلب ممكنا لذاته، لا لأمر. و الامكان للممكن واجب.
فحصول ذلك الامكان كان ممتنعا لذاته، قبل ذلك المبدأ، ثم صار واجبا لذاته. و اذا جاز ذلك، فلم لا يجوز فى وجود المحدثات، أن يقال: انه كان ممتنعا لذاته، ثم انقلب واجبا لذاته؟ و حينئذ يلزم نفى الصانع. و هو محال.
و ثالثها: ان حدوث ذلك الامكان. اما أن يقال: انه كان موقوفا على حدوث أمر ما، بأن يوجد شيء بعد عدمه، أو بأن يعدم شيء بعد وجوده، أو لم يكن موقوفا على ذلك. فان كل الأول كان الكلام فى اختصاص ذلك الوقت بحدوث ذلك الأمر، كما فى الأول فيلزم التسلسل. و ان كان الثانى لم يكن اختصاص حدوث ذلك الا مكان بذلك الوقت أولى من اختصاصه بسائر الأوقات.
فثبت بهذه الوجوه: أنه لا يمكن أن يقال: ان لصحة حدوث الحوادث بداية.
و كذلك القول فى بيان أنه لا بداية لصحة تأثير المؤثر فى احداث المحدثات. و اذا ثبت ذلك، كان كون العالم موجود فى الأزل غير ممتنع. و كذلك أيضا يكون تأثير المؤثر فى وجود العالم أزلا غير ممتنع.
و اذا ثبت هذا، كان القول بأنه يمتنع كون العالم أزليا، و يمتنع تأثير قدرة اللّه تعالى فى ايجاد العالم فى الأزل: جمعا بين الحكم بحصول الامتناع فى الأزل، و بحصول الجواز فى الأزل. و ذلك جمع بين النقيضين. و هو محال. و هذا تمام الاشكال.