الأربعين في أصول الدين - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٠
و أما المقام الثانى: و هو أن البارى تعالى موصوف بكلام النفس. فالذى يدل عليه: ما ثبت عندنا بالتواتر الظاهر [٥] من جميع الأنبياء و الرسل عليهم السلام: أنه تعالى أمر عباده بكذا و نهاهم عن كذا و أخبرهم بكذا. و لما ثبت بالمعجزات صدق الأنبياء و الرسل عليهم السلام، وجب القطع بكونه تعالى آمرا و ناهيا و مخبرا.
و اذا ثبت هذا فنقول: هذا الأمر و النهى و الخبر، اما أن يكون من باب الألفاظ و العبارات، و اما أن يكون من باب المعانى و الحقائق.
فان كان الأول، فتلك العبارات و الألفاظ لا بد و أن تكون دالة على المعانى و المدلولات. فمدلول هذه العبارات فى حق الله تعالى اما أن يكون هو الارادات و الاعتقادات، و اما أن يكون معنى مغايرا لها. لا جائز أن تكون تلك المعانى هى الارادات و الاعتقادات. لأنا بينا أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة. و الخبر قد يوجد بدون الاعتقادات.
فثبت: أن مدلول هذه العبارات فى حق الله تعالى: معنى وراء الاعتقادات و الارادات. فثبت: أنه تعالى موصوف بمعنى حقيقى.
هو مدلول قوله: «افعل» و هو مغاير لارادته، و انه تعالى موصوف بمعنى حقيقى، هو مدلول قوله «الحمد لله» و هو مغاير لعلمه.
و نحن نسمى ذلك المعنى بالأمر الحقيقى و الخبر الحقيقى. و هو المطلوب.
فان قيل: كيف يمكنكم أن تستدلوا بقول الأنبياء و الرسل عليهم السلام على كونه تعالى متكلما، مع أن نبوة الأنبياء- عليهم السلام- لا يمكن اثباتها الا بعد العلم بكونه تعالى متكلما. قلنا: لا نسلم أن العلم بصحة نبوة الأنبياء موقوف على العلم بكونه تعالى متكلما. و ذلك لأنه
[٥] بالتواتر و الظواهر:
ا