موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٢٨
بالأذان عن فرض الصلاة ، وأراد إعلامهم بالوقت رأى الصحابي المنام فقصّه ، فوافق ما كان (صلى الله عليه وآله) سمعه فقال : إنّها لرؤيا حقّ ، وعلم حينئذ أنّ مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنّة في الأرض ، وتقوّى ذلك بموافقة عمر ، لأنّ السكينة تنطق على لسانه ، والحكمة أيضاً في إعلام الناس به على غير لسانه (صلى الله عليه وآله) التنويه بقدره ، والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره ، وأفخر لشأنه " [١] .
وفي كلامه تكلّفات كثيرة نشير إليها تباعاً .
١-إقراره بأنّ الأذان سمعه النبيّ (صلى الله عليه وآله) سواء كان في معراجه الأوّل أو الثاني ، وهذا ما نقرّه ونصحّحه لما سيأتي ، لكنّه تعلّل بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يخبر به إلاّ بعد رؤية عبد الله بن زيد وتأييده برؤية عمر الذي تنطق السكينة على لسانه .
إلاّ أنّ هذا الكلام باطل ؛ لأنّ الروايات تذكر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بقي حائراً في كيفية إعلام الناس بالصلاة ، واقترح عليه الصحابة عدّة اقتراحات كوضع راية أو ناقوس أو استخدام شعار النصارى والنبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يقبل ذلك ، وبقي حائراً ، فإذا كان النبيّ قد سمع الأذان من فوق سبع سماوات فلا معنى للحيرة حينئذ ، بل بنفسه يشرّع لهم الأذان الذي سمعه في السماوات بلا تردّد ، وعدم الحاجة إلى رؤية زيد وتأييد عمر !!
وإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) أقدم على الفعل بعد تأييده برؤية زيد وعمر ، فهذا يعني تشكيك النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيما سمعه من الأذان في السماء ، وهذا باطل لأنّه يلزم منه خلاف ما فرضه السهيلي من الجزم برؤيته في السماء السابعة .
٢-إنّ الرواية التي صحّحها السهيلي واردة بلفظ أنّ ملكاً من السماء علّم النبيّ (صلى الله عليه وآله) الأذان كما علّمه الصلاة ، ومن الواضح إنّ تعليم النبيّ (صلى الله عليه وآله) من الله تعالى حتّى يعلّم أُمّته ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك ، فقد علَّم أُمّته الصلاة ، فإذاً لابدّ أن يعلّمهم الأذان ، وإلاّ كان قد أخفى عليهم ما كان عليه تعليمهم ، وهذا باطل لا يرتضى في حقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) .
٣-إنّ الروايات صريحة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا اقترحوا عليه ما تفعله اليهود رفض ، وما تفعله النصارى فرفض أيضاً ، وعلّل ذلك بكراهة مشابهتم ، مع أنّهم رووا في روايات أُخرى صحيحة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي ، والمفروض أنّ هذا لم ينزل فيه وحي ، فعليه لابدّ أن يوافقهم الرسول ولا يردّ اقتراحهم !!
٤-إنّ تعليل الكلام بكون " إعلام للناس به على غير لسانه (صلى الله عليه وآله) التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخم لشأنه " تعليل عليل لأنّ هذا الأمر يتعلّق بالشرع المقدّس ، فإظهاره على لسانه أشدّ وأقوى من إظهاره على لسان غيره ، لأنّه النبيّ (صلى الله عليه وآله) المكلّف بتبليغ الرسالة إلى الناس ، وإلاّ إذا رضيت بهذا التعليل يلزم من أن تظهر تشريعات أُخرى على لسان غيره ، لورد نفس التعليل فيها ، مع إنّه لم يظهر ذلك ولم ينقل .
وفي الواقع إنّ هذه الأُمور التي يذكرونها ما هي إلاّ تعليلات عليلة أخترعها عقولهم ، وصوّرتها مخيّلتهم لأجل تبرير الواقع الذي نقلته هذه الروايات ، من كون الأذان ناشئ عن رؤية لعبد الله بن زيد ، فالتجاؤوا إلى هذه الأُمور العليلة التي لا تغني ولا تسمن من جوع ، بدل حفظ كرامة النبيّ (صلى الله عليه وآله) والرسالة والإيمان بأنّ الأذان شرّعه الله تعالى على لسان نبيّه الكريم لا عن رؤية حلمية أو اقتراح التزم به النبيّ (صلى الله عليه وآله) !! فإنّ ذلك كلّه يؤدّي إلى استنقاص الرسالة والحطّ من قيمتها الإلهية ! وسوف نبيّن لاحقاً أنّ الأذان تشريع إلهي نزل من السماء ، فكن على ذكر من ذلك .
وهناك إشكال عامّ يرد على جميع الروايات ، وهو ما ذكره الحاكم في " المستدرك " حيث قال : " وإنّما ترك الشيخان البخاري ومسلم حديث عبد الله بن زيد في الأذان ، والرؤيا التي قصّها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الإسناد لتقدّم
[١] المصدر السابق ١ / ١٩٩ .