موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٧٦
أمّا أهل السنّة فعلى رأيين في شأن نزولها ، إذ أكثرهم يرى أنّها نزلت في أبي بكر ، وبعضهم يصرّح بأنّ مورد نزولها كان أبا الدحداح [١] .
وأمّا الشيعة ، فلا ترى صحّة نزولها في حقّ أبي بكر لما يلي :
أوّلاً : إنّ الروايات المزعومة متعارضة مع الأحاديث الواردة التي تقول : بأنّها نزلت في حقّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، أو أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أو حتّى التي تشير بأنّ شأن النزول كان في مورد أبي الدحداح .
ثانياً : إنّ القول بثروة أبي بكر قول بلا دليل ، بل تردّه القرائن والأدلّة الحافّة بالموضوع ، فمثلاً أنّ أباه أبا قحافة كان فقيراً مدقعاً سيئ الحال [٢] فهل يعقل وجود هذه الحالة مع ثراء الابن ؟ أليس الأولى للولد أن يكون بارّاً لأبيه قبل الآخرين ؟!
وقد ورد في مصادرهم المعتبرة ما ينقض دعواهم غناء أبي بكر ، فعن أبي هريرة قال : " خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ، فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة " ؟ قالا : الجوع يا رسول الله .
قال : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا " ، فقاموا معه ... " [٣] .
وهذه الرواية واضحة أنّها بعد فتح الفتوح لأنّ الراوي أبو هريرة أسلم بعد فتح خيبر ، وهي تبطل دعواهم أنّ أبا بكر كان ينفق على مسطح بن أثاثة
[١] الجامع لأحكام القرآن ٢٠ / ٩٠ . [٢] شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢٧٠ . [٣] صحيح مسلم ٦ / ١١٦ ، وأغرب ما في الباب أنّ النووي في شرحه لمسلم ١٣ / ٢١٢ ، لمّا التفت للتناقض الموجود بين غناء أبي بكر وهذه الرواية الواضحة في فقره ، فلذلك حاول لَي عنقها وتفسيرها بأبعد ما يكون فقال : وأمّا قولهما : أخرجنا الجوع ، وقوله (صلى الله عليه وآله) : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما " ، فمعناه : أنّهما لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى ، ولزوم طاعته والاشتغال به ، فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقلهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة ، وتمام التلذّذ بها سعياً في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به ، وهذا من أكمل الطاعات وأبلغ أنواع المراقبات .