نصائح الهدى والدين - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢١٤
وإذا تلوت عليهم من المهمَل: " ما لي كلّما تسـحت جوالي ذنوبي وتلجت في أعصامي الآمت بي هو أجيج الأرباق، وهلمتني سـواسـل الأفلاق، فما لي لا أبكي وأنا بين سـماسـيح الأعمال وألاطيح العذاب، يوم المسـى إلى قبري فأُوَلّي إلى عملي وأُلاج إلى معادي في يوم النشـيح المعلوم ".. وتلوتَ عليه هذا وأمثاله لم يميّزه من أدعية " الصحيفة " ومواعظ " نهج البلاغة ".
وقد سـبق في أذهان هذا الصنف ـ إجمالا ـ أنّ صاحب الزمان يظهر، وهم من الشـوق إليه، والانتظار له، والضجر من الجور، على الحالة التي سمعتها في أثناء الكلام على الشـبهة السابقة، فحين سـمعوا دعوة (الباب) وما يتلوه من (بيانه) تحكّم في أذهانهم صدق الدعوة، وأنّها هي الأُمنـيّة التي كانوا يُبشِّـرون بها آمالهم، ويقضون في لواعج شـوقها طوال الليالي والأيّـام، فتهالكوا في تلبية هذه الدعوة وتأييدها.
وصنف من الناس ;
قد انحرفت طريقتهم بتعاطي بعض الأنحاء من حكمة اليونان، ولم يمكّنهم الوقت من قطع العلائق عن الإسـلام، فصاروا يؤوِّلون ما جاء في الدين على أضداد معناه التي اضطربت فيها آراء الحكماء، وأخذوا يقولون ما تشـتهيه أنفسـهم على طبق أهوائهم، فتجاوزوا في الأُمور الدينية حدّ الحقيقة، وغالوا في البشـر لأجل إنقاصهم من واجب الوجود صفات جماله، فسـلبوا عنه الإرادة والاختيار، ولم يجعلوا لمقام البشـر في الكمال حدّاً محدوداً، وراموا إخضاع الناس لنفوذ أهوائهم، وطمعوا في العوامّ إذ رأوهم يرغبون في من يَجْلُو[١] لهم مألوفاتهم بالإفراط جلوة جديدة وإن غيّر مادّتها وشـوّه صورتها.
[١]أي: يكشف ويُظهر ويوضح ; انظر: لسان العرب ٢ / ٣٤٣ مادّة " جلا ".