العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٩ - يوسف عليه السّلام
و لكني أرغبتك عن ذلك و أزويته عنك؛ فكذلك أفعل بأوليائي؛ إني لأذودهم عن نعيمها. و لذاذتها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة؛ و إني لأحميهم عيشها و حلوتها، كما يحمي الراعي ذوده عن مبارك العرّ [١] .
يوسف عليه السّلام:
و ذكر عن وهب بن منبه أن يوسف لما لبث في السجن بضع سنين، أرسل اللّه جبريل إليه بالبشارة بخروجه، فقال: أ ما تعرفني أيها الصّدّيق؟قال يوسف: أرى صورة طاهرة و روحا طيبا لا يشبه أرواح الخاطئين. قال جبريل: أنا الروح الأمين، رسول رب العالمين. قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين، و أنت سيد المرسلين، و رأس المقرّبين؟قال: أ لم تعلم أيها الصديق أن اللّه يطهر البيوت بطهر النبيين. و أن البقعة التي تكون فيها هي أطهر الأرضين، و أنّ اللّه قد طهّر بك السجن و ما حوله يا ابن الطاهرين. قال يوسف: كيف تشبهني بالصالحين، و تسميني بأسماء الصادقين، و تعدّني مع آبائي المخلصين، و أنا أسير بين هؤلاء المجرمين؟قال جبريل: لم يكلم قلبك الجزع، و لم يغيّر خلفك البلاء، و لم يتعاظمك السجن، و لم تطأ فراش سيّدك، و لم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة، و لم تنسك نفسك أباك، و لا أبوك ربّك، و هذا الزمان الذي يفكّ اللّه فيه عنقك، و يعتق فيه رقبتك، و يبيّن للناس فيه حكمتك، و يصدّق رؤياك، و ينصفك ممن ظلمك، و يجمع لك أحبتك و يهب لك ملك مصر تملك ملوكها، و تذل جبابرتها، و تصغّر عظماءها، و يذلّ لك أعزتها. و يخدمك سوقتها [٢] ، يخوّلك خولها، و يرحم بك مساكينها، و يلقي لك المودة و الهيبة في قلوبهم، و يجعل لك اليد العليا عليهم، و الأثر الصالح فيهم، و يرى فرعون حلما يفزع منه حتى يسهر ليله، و يذهب نومه، و يغمّى عليه، تفسيره و على السحرة و الكهنة، و يعلّمك تأويله.
[١] مبارك العر: مبارك الجمال الجرب.
[٢] سوقتها: رعيتها.