العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٧ - و من وحي اللّه تعالى إلى أنبيائه
و تحتها لك نعمة و فوقها لك نعمة، فمن أين يكافئك بما أعطيته؟فأوحى اللّه إليه: يا داود، إنّي أعطي الكثير، و أرضى من عبادي بالقليل، و أرضى من شكر نعمتي بأن يعلم العبد أن ما به من نعمة فمن عندي لا من عند نفسه.
إبراهيم عليه السّلام:
و لما أمر اللّه عز و جل إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلم بذبح ولده و أن يجعله قربانا، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له العازر، و كان له صديقا؛ فقال له الصديق إن اللّه لا يبتلي بمثل هذا مثلك، و لكنه يريد أن يختبرك أو يختبر بك؛ و قد علمت أنه لا يبتليك بمثل هذا ليفتنك، و لا ليضلك و لا ليعنتك، و لا لينقض به بصيرتك و إيمانك و يقينك؛ فلا يروعنّك هذا، و لا يسوأن باللّه ظنّك؛ و إنما رفع اللّه اسمك في البلاء عنده على جميع أهل البلايا، حتى كنت أعظمهم محنة في نفسك و ولدك. ليرفعك بقدر ذلك في المنازل و الدرجات و الفضائل: فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك، و ليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك. و ليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي اللّه به أولياءه؛ لأن اللّه أكرم في نفسه، و أعدل في حكمه و أرحم بعباده من أن يجعل ذبح الولد الطّيب بيد الوالد النبي المصطفى. و أنا أعوذ باللّه أن يكون هذا مني حتما على اللّه أو ردّا لأمره، أو سخطا لحكمه، و لكن هذا الرجاء فيه و الظنّ به؛ فإن عزم ربّك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء الجسيم، و الخطب العظيم، إلا لحسن علمه بك، و صدقك و تصبّرك؛ ليجعلك إماما؛ و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.
و من وحي اللّه تعالى إلى أنبيائه
أوحى اللّه عز و جل إلى نبي من أنبيائه: إني أنا اللّه مالك الملوك؛ قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلت الملوك عليه رحمة؛ و من عصاني جعلت الملوك عليه نقمة [١] .
[١] النقمة: العقوبة.