العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٧ - لشيبانية في حزنها على أهلها
إذا نحن أبنا سالمين بأنفس # كرام رجعت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها # تئوب و يبقى ماؤها و حياؤها
و لا برّ إلا دون ما برّ عامر # و لكنّ نفسا لا يدوم بقاؤها
هو ابني أمسى أجره لي و عزّني # على نفسه رب إليه ولاؤها
فإن أحتسب أوجر و إن أبكه أكن # كباكية لم يحي ميتا بكاؤها [١]
لهذيلية في رثاء إخوة و ابن:
الشيباني قال: كانت امرأة من هذيل، و كان لها عشرة إخوة و عشرة أعمام؛ فهلكوا جميعا في الطاعون؛ و كانت بكرا لم تتزوج؛ فخطبها ابن عم له فتزوّجها. فلم تلبث أن اشتملت على غلام فولدته، فنبت نباتا كأنما يمدّ بناصيته و بلغ، فزوّجته و أخذت في جهازه، حتى إذا لم يبق إلا البناء [٢] أتاه أجله، فلم تشقّ لها جيبا، و لم تدمع لها عين؛ فلما فرغوا من جهازه دعيت لتوديعه، فأكبّت عليه ساعة، ثم رفعت رأسها و نظرت إليه و قالت:
ألا تلك المسرّة لا تدوم # و لا يبقى على الدهر النعيم
و لا يبقى على الحدثان غفر # بشاهقة له أمّ رءوم [٣]
ثم أكبت عليه أخرى، فلم تقطع نحيبها حتى فاضت نفسها، فدفنا جميعا.
لشيبانية في حزنها على أهلها:
خليفة بن خيّاط قال: ما رأيت أشدّ كمدا من امرأة من بني شيبان، قتل ابنها و أبوها و زوجها و أمها و عمتها و خالتها مع الضحاك الحروريّ؛ فما رأيتها قطّ ضاحكة و لا متبسمة حتى فارقت الدنيا، و قالت ترثيهم:
من لقلب شفّه الحزن # و لنفس ما لها سكن
[١] أوجر: أشفق و أخاف.
[٢] البناء: يقال بنى بزوجته و عليها أي دخل بها.
[٣] غفر: ولد الأروبة