العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٠ - من رثى ولده
حتى يعود بنا في قعر مظلمة # لحد و يلبسنا في واحد كفنا
يا أطيب الناس روحا ضمّه بدن # أستودع اللّه ذاك الروح و البدنا
لو كنت أعطى به الدّنيا معاوضة # منه لما كانت الدنيا له ثمنا
و قال أبو ذؤيب الهذلي، و كان له أولاد سبعة فماتوا كلهم إلا طفلا، فقال يرثيهم:
أ من المنون و ريبه تتوجّع # و الدهر ليس بمعتب من يجزع [١]
قالت أمامة ما لجسمك شاحبا # منذ ابتذلت و مثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعا # إلاّ أقضّ عليك ذاك المضجع [٢]
فأجبتها أن ما لجسمي إنه # أودى بنيّ من البلاد فودّعوا
أودى بنيّ و أعقبوني حسرة # بعد الرّقاد و عبرة ما تقلع
سبقوا هويّ و أعنقوا لهواهم # فتخرّموا و لكلّ جنب مصرع [٣]
فبقيت بعدهم بعيش ناصب # و إخال أني لاحق مستتبع
و لقد حرصت بأن أدافع عنهم # و إذا المنيّة أقبلت لا تدفع
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها # ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها # سملت بشوك فهي عورا تدمع [٤]
حتى كأني للحوادث مروة # بصفا المشرّق كلّ يوم تقرع [٥]
و تجلّدي للشّامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتضعضع
و قال في الطفل الذي بقي له:
و النفس راغبة إذا رغّبتها # و إذا تردّ إلى قليل تقنع
و قال الأصمعي: هذا أبدع بيت قالته العرب.
و قال أعرابيّ يرثي بنيه:
[١] المنون: الدهر.
[٢] أقضّ عليك: صار تحت جنبك على مضجعك.
[٣] أعنقوا: تبع بعضهم بعضا.
[٤] سملت: فقئت.
[٥] المروة: الحجارة البيض؛ و المشرق: سوق بالطائف.