العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٨ - لأصبغ في عابد
أشاب الصّغير و أفنى الكبير # كرّ الغداة و مرّ العشي [١]
إذا ليلة هزمت يومها # أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح و نغدو لحاجاتنا # و حاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته # و تبقى له حاجة ما بقي
و كان سفيان بن عيينة يستحسن قول عدي بن زيد:
أين أهل الدّيار من قوم نوح # ثم عاد من بعدها و ثمود
بينما هم على الأسرّة و الأنماط # أفضت إلى التراب الخدود
و صحيح أمسى يعود مريضا # و هو أدنى للموت ممن يعود
ثم لم ينقض الحديث و لكن # بعد ذا كلّه و ذاك الوعيد
و قال أبو العتاهية في وصف الموت:
كأنّ الأرض قد طويت عليّا # و قد أخرجت مما في يديّا
كأني صرت منفردا وحيدا # و مرتهنا لديك بما عليّا
كأنّ الباكيات عليّ يوما # و لا يغنى البكاء عليّ شيّا
ذكرن منيّتي فنعيت نفسي # ألا أسعد أخيّك يا أخيّا
و قال:
ستخلق جدّة و تحول حال # و عند الحقّ تختبر الرّجال
و للدّنيا ودائع في قلوب # بها جرت القطيعة و الوصال
تخوّف ما لعلّك لا تراه # و ترجوا ما لعلّك لا تنال
و قد طلع الهلال لهدم عمري # و أفرح كلما طلع الهلال!
و له أيضا:
من يعش يكبر و من يكبر يمت # و المنايا لا تبالي من أتت
نحن في دار بلاء و أذى # و شقاء و عناء و عنت [٢]
[١] الغداة: الغدوة.
[٢] عنت: الخطأ و الزنى.