البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٨١ - اختلاف الأزياء
هذا العمل من بني هاشم، و من صنائعهم و رجال دعوتهم، و إنهم قد علموا حاجة الناس إلى أن يهابوهم، و إن ذلك هو صلاح شأنهم-إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كان أكثر الناس قناعا.
و الدليل على أن ذلك قد كان شائعا في الأسلاف المتبوعين أنا نجد رؤساء جميع أهل الملل، و أرباب النحل، على ذلك. و لذلك اتخذوا في الحروب الرايات و الأعلام، و إنما ذلك كله خرق سود و حمر و صفر و بيض.
و جعلوا اللواء علامة للعقد و العلم في الحرب مرجعا لصاحب الجولة. و قد علموا أنها و إن كانت خرقا على عصي إن ذلك أهيب في القلوب و أهول في الصدور، و أعظم في العيون. و لذلك أجمعت الأمم رجالها و نساؤها على إطالة الشعور، لأن ذا الجمة أضخم هامة و أطول قامة، و إن الكاسي أفخم من العاري. و لو لا أن حلق الرأس طاعة و عبادة، و تواضع و خضوع، و كذلك السعي و رمي الجمار، لما فعلوا ذلك.
و في الحديث أنه لا يفتح عموريّة إلا رجال ثيابهم ثياب الرهبان و شعورهم شعور النساء.
و كل ما زادوه في الأبدان، و وصلوه بالجوارح، فهو زيادة في تعظيم تلك الأبدان.
و العصي و المخاصر مع الذي عددناه، و مع ذلك الذي ذكرناه و نريد ذكره من خصال منافعها، كله باب واحد.
و المغنّي قد يوقّع بالقضيب على أوزان الأغاني، و المتكلم قد يشير برأسه و يده على أقسام كلامه و تقطيعه. ففرقوا ضروب الحركات على ضروب الألفاظ و ضروب المعاني. و لو قبضت يده و منع حركة رأسه، لذهب ثلثا كلامه.
و قال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي.
و أراد معاوية سحبان وائل على الكلام، و كان قد اقتضبه اقتضابا، فلم