البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٥٠ - نوادر النوكى و المجانين و جفاة الأعراب
حدثنا صديق لي قال: أتاني أعرابي بدرهم فقلت له: هذا زائف فمن أعطاكه؟قال: لصّ مثلك! و قال زيد بن كثوة: أتيت بني كشّ هؤلاء، فإذا عرس، و بلق الباب، فادرنفق و ادّمج فيه سرعان من الناس، و ألصت ولوج الدار فدلظني الحدّاد دلظة دهورني على قمة رأسي، و أبصرت شيخان [١] الحي هناك، ينتظرون المزيّة [٢] ، فعجت إليهم، فو اللّه أن زلنا نظار نظار حتى عقل الظل [٣] فذكرت من بني تبر، فقصدنهم و أنا أقول:
تركن بني كشّ و ما في ديارهم # عوامد و اعصوصبن نحو بني تبر [٤]
إلى معشر شمّ الأنوف، قراهم # إذا نزل الأضياف من قمع الجزر [٥]
و انصرفت و أتيت باب بني تبر، و إذا الرجال صتيتان [٦] ، و إذا أرمداء [٧]
كثيرة، و طهاة لا تحصى، و لحمان في جثمان الإكام [٨]
صالح بن سليمان قال: من أحمق الشعر قول الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # أوكّل بدعد من يهيم بها بعدي
و لا يشبه قول الآخر:
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا # أغمّ القفا و الوجه ليس بأنزعا
[١] بلق الباب: فتح. ادرنفق: أسرع، تقدم. أدمج: دخل. سرعان الناس: أوائلهم.
ألاص: أراد. دلظه: دفعه. الحداد: البواب. الشيخان: جمع شيخ.
[٢] المزية: الطعام.
[٣] عقل: قلص.
[٤] اعصوصب: جد في السير.
[٥] الشمم: ارتفاع في أرنبة الأنف. القمع: أعلى السنام من البعير. الجزر: الناقة المجزورة.
[٦] الصتيت: الفرقة من الناس في جلبة و فوضى.
[٧] أرمداء: جمع رماد.
[٨] لحمان في جثمان الأكام: قدر في حجم التلال.