البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٠٧
الكثير [١] ، و نعم الحظ القناعة، و شر ما صحب المرء الحسد، و ما كل عورة تصاب [٢] . و ربما أبصر العمي رشده، و أخطأ البصير قصده. و اليأس خير من الطلب إلى الناس. و العفّة مع الحرفة خير من الغنى مع الفجور. أرفق في الطلب و أجمل في المكسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب. ليس كل طالب بمنجح، و لا كل ملحّ بمحتاج، و المغبون من غبن نصيبه من اللّه. عاتب من رجوت عتباه، و فاكه من أمنت بلواه. لا تكن مضحاكا من غير عجب، و لا مشاء إلى غير أرب. و من نأى عن الحق ضاق مذهبه، و من اقتصر على حاله كان أنعم لباله. لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته و نفعك. و عوّد نفسك السماح، و تخير لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، و الشر لجاجة، و الصدود آية المقت، و التعلّل آية البخل. و من الفقه كتمان السر، و لقاح المعرفة و دراسة العلم، و طول التجارب زيادة في العقل، و القناعة راحة الأبدان. و الشرف التقوي. و البلاغة معرفة رتق الكلام و فتقه.
بالعقل تستخرج الحكمة، و بالحلم يستخرج غور العقل، و من شمّر في الأمور ركب البحور، شر القول ما نقض بعضه بعضا. من سعى بالنميمة حذره البعيد، و مقته القريب. من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية، و من توانى في نفسه ضاع: من أسرف في الأمور انتشرت عليه، و من اقتصد اجتمعت له، و اللجاجة تورث الضياع للأمور. غبّ الأدب أحمد من ابتدائه. مبادرة الفهم تورث النسيان. سوء الاستماع يعقب العيّ. لا تحدّث من لا يقبل بوجهه عليك، و لا تنصت لمن لا ينمي بحديثه إليك. البلادة في الرجل هجنة [٣] ، قلّ مالك إلا استأثر، و قلّ عاجز إلا تأخر. الإحجام عن الأمور يورث العجز، و الإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ. سوء الطّعمة يفسد العرض [٤] ، و يخلق الوجه، و يمحق الدين. الهيبة قرين الحرمان، و الجسارة قرين الظفر، و منك من أنصفك، و أخوك من عاتبك، و شريكك من وفى لك، و صفيك من اترك.
[١] يثبر: يهلك يدمر
[٢] العورة: خلل في الثغر.
[٣] الهجنة: العيب.
[٤] الطعمة: وجه الكسب.