البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٦٦ - بلاغة النبي
و كان شيح من البصريين يقول:
إن اللّه إنما جعل نبيه أميّا لا يكتب و لا يحسب و لا ينسب، و لا يقرض الشعر، و لا يتكلّف الخطابة، و لا يتعمّد البلاغة، لينفرد اللّه بتعليمه الفقه و أحكام الشريعة، و يقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب:
من قيافة الأثر و البشر [١] ، و من العلم بالأنواء و بالخيل، و بالأنساب و بالأخبار، و تكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، و تكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على أنه من اللّه.
و زعم أن اللّه تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم و أخبارهم و أشعارهم ليكون أنقص حظا من الحاسب الكاتب، و من الخطيب الناسب، و لكن ليجعله نبيا، و ليتولى من تعليمه ما هو أزكى و أنمى. فإنما نقصه ليزيده، و منعه ليعطيه، و حجبه عن القليل ليجلّي له الكثير.
و قد أخطأ هذا الشيخ و لم يرد إلا الخير، و قال بمبلغ علمه و منتهى رأيه و لو زعم أن أداة الحساب و الكتابة، و أداة قرض الشعر و رواية جميع النسيب، قد كانت فيه تامة وافرة، و مجتمعة كاملة، و لكنه صلّى اللّه عليه و سلّم صرف تلك القوى و تلك الاستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، و إذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، و أنسب من كل ناسب، و أقوف من كل قائف، و لو كان في ظاهره، ثم أعطاه اللّه برهانات الرسالة، و علامات النبوة-ما كان ذلك بمانع من وجوب تصديقه، و لزوم طاعته، و الانقياد لأمره على سخطهم و رضاهم، و مكروههم و محبوبهم. و لكنه أراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب و إن رقّ، و ليكون ذلك أخفّ في المئونة، و أسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها و يتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر و روايته، صار لسانه لا ينطلق به، و العادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق،
[١] قيافة الاثر: تتبعه.