البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠٥ - كتاب الزهد
قال: فأنشدتها مسمع ابن عاصم فقال: و أبيك لقد ذهب مذهبا.
الفضل بن مسلم قال: قال مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير: لا تنظروا إلى خفض عيشهم، و لين ملابسهم، و لكن أنظروا إلى سرعة ظعنهم و سوء منقلبهم.
قال أبو ذرّ: لقد أصبحت و إن الفقر أحبّ إلي من الغنى، و السقم أحبّ إلي من الصحة، و الموت أحب إلي من الحياة. قال دهثم: «لكني لا أقول ذلك. قال: قال داود صلّى اللّه عليه و سلّم: اللهم لا صحة تطغيني، و لا مرضا يضنيني و لكن بين ذينك [١] » .
قال الحسن: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، و كبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته [٢] ، أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه [٣] .
قال: و قال داود النبي عليه السلام: «إن للّه سطوات و نقمات» . فإذا رأيتموها فداووا قروحكم بالدعاء، فإن اللّه تبارك و تعالى يقول: (لو لا رجال خشع، و صبيان رضع، و بهائم رتع، لصببت العذاب صبا) .
قال: اشترى صفوان بن محرز بدنة بتسعة دنانير، فقيل له. أ تشتري بدنة بتسعة دنانير و ليس عندك غيرها؟قال: سمعت اللّه تبارك و تعالى يقول:
لَكُمْ فِيهََا خَيْرٌ .
و قيل لمحمد بن سوقة [٤] : تحج و عليك دين؟قال: هو أقضى للدين.
قال: و لقي ناسك ناسكا و معه خف فقال: ما تصنع بهذا؟قال عدة للشتاء.
قال: كانوا يستحيون من هذا.
[١] هو دهثم بن قران العكلي، راوية أخذ عن أبيه و يحيى بن أبي كثير، و أخذ عنه ابن عياش.
[٢] المدرعة: ثوب من الصوف.
[٣] المطرف: رداء من خز مربع.
[٤] محمد بن سوقة الغنوي، عابد كوفي ثقة، أخذ عن أنس و نافع.