البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٨٢ - علم العرب في الطعام
و آثرته لما رأيت الذي به # على النفس أخشى لاحقات الملاوم [١]
فجاء بجلمود له مثل رأسه # ليشرب حظّ القوم بين الصرائم [٢]
و قد يصيب القوم في باديتهم و مواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، و لا في ناحية من النواحي. و أن أحدهم ليجوع حتى يشدّ على بطنه الحجارة، و حتى يعتصم بشدة معاقد الإزار [٣] ، و ينزع عمامته من رأسه فيشدّ بها بطنه. و إنما عمامته تاجة، و الأعرابي يجد في رأسه من البرد، إذا كان حاسرا [٤] ، ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، و لكثرة طيّها و تضاعف أثنائها. و لربما اعتمّ بعمامتين، و لربما كانت على قلنسوة خدرية [٥] . و قال مصعب بن عمير الليثي:
سيروا فقد جنّ الظلام عليكم # فبئس امرؤ يرجو القرى عند عاصم
دفعنا اليه و هو كالذيخ خاطيا # نشدّ على أكبادنا بالعمائم [٦]
و قال الراعي في ذلك:
يشبّ لركب منهم من ورائهم # فكلهم أمسى الى ضوئها سرى
الى ضوء نار يشتوي القدّ أهلها # و قد يكرم الأضياف و القدّ يشتوى
فلما أناخوا و اشتكينا اليهم # بكوا و كلا الخصمين مما به بكى [٧]
بكى معوز من أن يضاف و طارق # يشدّ من الجوع الإزار على الحشا
[١] الملاوم: جمع ملامة.
[٢] الجلمود: الصخر. حظ القوم: نصيبهم. و الصرائم: جمع صريمة: و هي الرملة المنقطعة من الرمال.
[٣] الإزار: الحزام، ما يوضع حول الوسط.
[٤] حاسرا: كاشف الرأس.
[٥] ربما نسبها الى مكان محدد. او انها تعود الى الخدر و هو ستر يجعل للمرأة لتقيم فيه.
[٦] الذيخ: الذئب. و الخاطي بدلا من الحاطي لأننا لم نجده. و الخاطي: الماشي سريعا.
[٧] الخصمان: المتنازعان.