البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٤٢ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
و قال: «خير الصدقة غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى [١] ، و ابدأ بمن تعول» ، و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «الثلث و الثلث كثير. إنك إن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكفّفوا الناس» ، و قال ابن عبّاس [٢] : «وددت أن الناس غضّوا من الثلث شيئا، لقول النبي عليه السلام: الثلث و الثلث كثير» ، و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:
«كفى بالمرء إثما يضيع من يقوت» . و أنتم ترون أن المجد و الكرم إن أفقر نفسي بإغناء غيري، و أن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي. و قال في ذلك ابن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا [٣]
و قال آخر:
كمفسد أدناه و مصلح غيره # و لم يأتمر في ذاك أمر صلاح [٤]
و قال الآخر:
كمرضعة أولاد أخرى، و ضيّعت # بنيها، و لم ترقع بذلك مرقعا [٥]
و قال اللّه تبارك و تعالى: «و لا تبذّر تبذيرا، إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين» ، و قال: «و يسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو» فأذن في العفو، و لم يأذن في الجهد، و أذن في الفضول، و لم يأذن في الأصول. و أراد كعب بن مالك [٦] أن يتصدّق بماله، فقال له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «أمسك عليك مالك» ، فالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم يمنعه من إخراج ماله في الصدقة، و أنتم تأمرونه بإخراجه في السرف
[١] يعني باليد العليا: اليد التي تمنح و تهب و تظل مبسوطة. و اليد السفلى: التي تفضل دائما الأخذ بدلا من العطاء. و هي مقابلة بين السخاء و البخل.
[٢] عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه.
[٣] اراد النعامة لحماقتها. و لذلك يقال: احمق من نعامة.
[٤] الأدنى: من يقوت.
[٥] لم ترقع بذلك مرقعا: لم تصنع شيئا.
[٦] كعب بن مالك: هو كعب بن مالك الخزرجي الأنصاري. و كان صحابيا جليلا. دافع عن الاسلام بسيفه و لسانه. مات في ايام معاوية سنة ٥٥ هـ.