البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٨٣ - أبو سعيد المدائني
و الطوّافين [١] . و القوم قبلي أن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة. و ليس يقول الناس:
و اللّه لفلان أصح من الجلاوزة [٢] ؟ (يعني اختلاف الجلاوزة في العدو) . و لربما أقمت في المنزل لبعض الأمر، فأكثر الصعود و النزول خوفا من قلة الحركة.
و أما التشاغل بالبعيد عن القريب، فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب. و أما ما ذكرتم من الزيادة في الطعم فقد أيقنت نفسي، و اطمأن قلبي، على أنه ليس لنفسي إلا ما لها، و أنها إن حاسبتني أيام النصب، حاسبتها أيام الراحة. فستعلم حينئذ أين أيام الخريبة من أيام ثقيف [٣] . و أما ما ذكرتم من تلقّي الحمولة، و من مزاحمة أهل السوق، و من النّتر و الجذب، فأنا أقطع عرض السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم، ثم يكون رجوعي على ظهر السوق [٤] . و أما ما ذكرتم من شأن النعل و السراويل، فإني من لدن خروجي من منزلي، إلى أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي، و سراويلي في كمّي. فإذا صرت إليه لبستهما، فإذا فصلت من عنده خلعتهما.
فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا [٥] و أحسن حالا. بقي الآن لكم مما ذكرتم شيء» ؟قالوا: «لا» ؛ قال: «فههنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم» قالوا:
«و ما هي» ؟قال: «إذا علم القريب الدار، و من لي عليه ألوف الدنانير، شدة مطالبتي للبعيد الدار، و من ليس لي عليه إلا الفلوس، أتى بحقّي و لم يطمع نفسه في مالي. و هذا تدبير يجمع الى رجوع مالي طول راحة بدني [٦] . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة، لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت. و أخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير، و موصولا بدين لي مشهور، لجاز أن
[١] الطوّافين: يريد بالطوّافين الحرّاس الذي يطوفون. عسس الليل.
[٢] الجلاوزة: الشرط.
[٣] ثقيف: قبيلة من هوازن. كانت منازلها بالطائف.
[٤] أي من طريق آخر خلف السوق.
[٥] اودع ابدانا: أحسن راحة و اعظم.
[٦] اي انه يشعر براحة بدنه، اذا سارع المدنيون إلى اداء الدين او الفضل الذي قدمه لهم، دون ان يطالبهم به.