البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٥٦ - قصة تمّام بن جعفر
كثرة المضغ تشدّ العمور [١] و تقوّي الأسنان و تدبغ اللثة و تغذو أصولها، و إعفاء الأضراس من المضغ يريّخها [٢] ، و إنما الفم جزء من الإنسان. و كما أن الإنسان نفسه إذا تحرّك و عمل قوي، و إذا طال سكوته تفتّخ و استرخى، فكذلك الأضراس. و لكن رفقا، فإن الأتعاب ينقض القوة.
و لكلّ شيء مقدار و نهاية. فهذا ضرسك لا تشتكيه، و بطنك أيضا لا تشتكيه» ؟ فإن قال: «و اللّه إن أروي [٣] من الماء، و ما أظن أن في الدنيا أحدا أشرب مني للماء» قال: «لا بدّ للتراب من ماء، و لا بد للطين من ماء يبلّه و يرويه. أ و ليست الحاجة على قدر كثرته و قلّته. و اللّه لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك، مع ما أرى من شدّة أكلك و عظم لقمك.
تدري ما قد تصنع؟أنت و اللّه تلعب. أنت لست ترى نفسك فسل عنك من يصدقك، حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك» . فإن قال: «ما شربت اليوم ماء البتّة، و ما شربت أمس بمقدار نصف رطل.
و ما في الأرض إنسان أقلّ شربا مني للماء» ، قال: «لأنك لا تدع لشرب الماء موضعا، و لأنك تكنز في جوفك كنزا لا يجد الماء معه مدخلا.
و العجب لا تتخم، لأن من لا يشرب الماء على الخوان، لا يدري مقدار ما أكل، و من جاوز مقدار الكفاية كان حريّا بالتخمة» .
فإن قال: «ما أنام الليل كلّه. و قد أهلكني الأرق [٤] » قال:
«و تدعك الكظّة [٥] و النّفخة و القرقرة أن تنام؟و اللّه لو لم يكن إلا العطش الذي ينبّه الناس لما نمت. و من شرب كثيرا بال كثيرا. و من كان الليل
[١] العمور: مفردها عمر. اللحم الذي يتدلى من اللثة و يظهر بين الاسنان.
[٢] يريخها: يجعلها مرتاحة.
[٣] أروى: اشد شربا.
[٤] الأرق: القلق، عدم النوم.
[٥] الكظة: الامتلاء من الطعام. التخمة. سبق شرحها.